www.yarranile.com

2009-12-20

الهتيفة يقتلون السياسة و يصنعون الوهم

زين العابدين صالح عبدالرحمن

عندما كنا طلابا فى العراق قد اتاحت لنا تلك الفترة ان نلتقى بعدد من القيادات العربية و العراقية التى كانت تعيش فى العراق او التى تاتى زيارة لتلك الدولة و التى كانت قبلة القوى التقدمية على مختلف مدارسها الفكرية ان كانت قومية او ماركسية وواحدة من هذه اللقاءات كانت مع عزيز الحاج عضو المكتب السياسى للحزب الشيوعى العراقى و الغريب فى الامر كان هناك تسع من احدى عشر من اعضاء المكتب السياسى كان اسماءهم  عزيز و هذه ليست اسماء حركية انما اسمائهم الاصلية بقيادة سكرتير المكتب السياسى عزيز محمد.

 

فقد سألنا السيد عزيز الحاج عن رأيه عن  حديث كان قد قاله الاستاذ ناجى علوش  احد القيادات الفلسطينية لحركة منظمة التحرير الفلسطينية المجلس الثورى و كان قومى الهوى و فجأة تحول الى الفكر الماركسى ثم اقام ندوة تحت عنوان "كيف تفهم الماركسية"  و كانت الندوة مغلقة لبعض الطلبة العرب و كنا ثلاثة سودانيين شخصى الضعيف و الاخ محمد عبدالحميد عبدالرحمن و هو يقم الان فى هولندا و ثالثنا الاخ عبدالعزيز احمد دفع الله المسؤول السياسى السابق "لقوات التحالف السودانية" المقيم الان فى اسمرا و فى تلك الندوة قال علوش ان الماركسيين العرب لم يفهموا الماركسية فهملا سليما و ذلك راجع لمجموعة التصورات و المعتقدات و العادات و التقاليد المخزونة فى مخيلة الكل اضافة الى ان الكتابات السياسية او الفلسفية التى كتبت حول الفكر الماركسى ماتزال فى دور الطفولة و لم تنضج بعد.

 

قال السيد عزيز اننى لا اريد ان ادخل فى جدل فكرى مع رؤية علوش ولكن هناك جزءا من الحقيقة التى لم يتعرض لها علوش ان التنظيمات الماركسية فى الوطن العربى اهتمت اهتماما كبيرا بالمجموعات التى هى على هامش العمل السياسى و هولاء ليس لهم دور غير الهتاف للقائد و الحزب دون ادراك لما يقوله هذا القائد او الزعيم لانهم تربوا على ان ينصتوا فقط ثم التصفيق من بعد و لذلك نجد ان اهم مقومات العمل السياسى الذى افتقدناه فى الاحزاب الماركسية العربية المنهج النقدى  الامر الذى ادى لضعف فى الانتاج المعرفى  و خواء لفهم ماهية الاشياء ثم الحماس الزائد فى غير موضعه و قال السيد عزيز لذلك نجد ان الكتابات فى الفكر عند النخبة الماركسية ضعيف فى اغلبية الاحزاب الماركسية فى الوطن العربى لان اهم شروط الانتاج الفكرى و الثقافى و المعرفى بشكل عام هى مساحات الحرية و الديمقراطية المتوفرة داخل التنظيم و هو الامر المفقود تماما لان فى تلك التنظيمات لذلك نجد ان الزعيم و القائد الحزبى هو الذى يفكر و يقرر للجميع مما دفع اغلبية العضوية تعطل استعمال عقلها و تتبع للزعيم"

 

و من حديث السيد عزيز الحاج ندرك ان البعد عن الزعيم اذا كان بعدا فى الفكر او فىالزمن او فى المسافة سوف يشكل حرجا للبعض و خاصة اذا كانت المسالة متعلقة بقضايا الوطن و الاتفاقيات الموقعة بين القوى السياسية لان هذه الاتفاقيات تحتاج لشرح و تبسيط للبعض حتى يسهل فهمها و استيعابها واذا لم يحدث ذلك فان الحرج واقع لا محال.

 

من المعروف ان مؤتمر القضايا المصيرية الذى عقد فى اسمرا عام 1995 قد اصدر " برنامج القضايا المصيرية" وهذا البرنامج كانت نصوصه تؤكد بعد استلام التجمع الوطنى الديمقراطى للسلطة و اسقاط النظام سوف تتم تصفية النظام  و مؤسساته و تعقد المحاكم لرموزه و لكن هذا البرنامج سقط تماما بعد اتفاقية السلام الشامل حيث رجعت رموز المعارضة التى ايدت الاتفاق و شاركت جميعها فى مؤسسات النظام ان كانت فى السلطة التشريعية او التنفيذية و فى الاقاليم و الولايات و الان القوى السياسية هى التى تتفاوض مع النظام داخل مؤسساته و هى عندما ايدت الاتفاقية كانت تعلم ان الاتفاقية اعطت المؤتمر الوطنى 52% من السلطتين التشريعية و التنفيذية يعنى قيادة البلاد و قيادتهم فى الفترة الانتقالية و لم اسمع عضوا واحدا من قبائل اليسار انتقد موافقة حزبه على الاتفاقية رغم انها همشتهم تماما و يبحثون عن شماعات لتعليق غضبهم عليها ان الذين كانوا فى حلقات الهتاف و صناعة الاصنام كانو اكثرية و الاقلية هم الذين يسمح لهم بحضور حلقات الفكر و البحث و لكن ظلت الاغلبية هى تعطى الطابع العام رغم ان هناك كفاءت غطت عليها مجموعات الهتاف قال احد الهاربين من جحيم الحصار فى اسوار اليسار ان من يستعمل عقله فى الحزب حتما سوف يكون نواة للانشاق.

 

ان الاحزاب السياسية هى التى بكل ارادتها الطوعية قبلت بقيادة المؤتمر الوطنى  و المشاركة فى مؤسساته و ليس هذا فقط بل قبلت حتى ان تسجل نفسها كاحزاب الامر الذى كانت تعارضه و هى فى المعارضة اذن من الذى انبطح المثقفين ام قيادات الاحزاب" الحزب الشيوعى – الاتحادى و كل من كان فى التجمع الوطنى الديمقراطى" و لكن للاسف ان الذين يدعون الوطنية و الهتاف و التشكيك فى الاخرين ينكسرون امام قياداتهم التى باعتهم لانهم اصلا لم يتعلموا ممارسة النقد و النقد الذتى و " من كان فى حلقات "الهتاف و صناعة الاصنام" لن ينجح فى حلقات الفكر و الثقافة.

 

فى عام 1947 كان عبدالوهاب زين العابدين هو الامين العام "للجبهة المعادية للاستعمار" و كانت له رؤية ناضجة فى ذلك الوقت ان الجبهة لا تتحول الى حزب بل تبقى تيارا وسط حركة الاتحاديين و تركز دورها فى الفكر و الثقافة و تكون البوصلة التى تحدد مسار الحزب وخاصة ان الحركة الاتحادية تتمدد فى مساحات واسعة من القطاعات الجماهيرية حيث نضمن عدم وقوع الحزب فى احضان الطائفية من جانب و الجانب الاخر نشر الثقافة التى تقوى النظام الديمقراطى و لكن السيد عبدالخالق كان متطلعا للقيادة لذلك شن حملة عنيفة على عبدالوهاب زين العابدين ثم من بعده عوض عبد الرازق و اتهمهم بالتصفويين و التحرييفين و العملاء و من ذلك الزمن اصبح النعت و التشكيك فى كل مخالف للرأى انظر الى كتابات كل الرفاق و فى كل سطر منها تجدها مليئة " الامن – غواصات- عملاء نظام- اسلاميين- منبطحين" اليست هذه ثقافة الذين يتعلمون الهتاف منذ توقيع اسمائهم فى طلبات العضوية.

 

و لا اعتقد انهم سوف يغيرون طباعهم  و نتذكر هنا قصة " الضفدع و العقرب" يقال ان عقربا التقت مع ضفدعة فى الشاطىء ثم طلبت العقرب من الضفدعة التى ارادت ان تسبح الى الشاطىء الثانى ان تحملها على ظهرها لكى تقطع معها و لكن الضفدعة رفضت خوفا من ان تلدغها و تغرق و لكن اقسمت العقرب انها لن تفعل ذلك و صدقتها الضفدعة و حملتها على ظهرها و فى منتصف النهر لدغت العقرب الضفدعة فقالت لها الضفدعة لقد اقسمتى انك لن تلدغينى فقالت العقرب هذا طبعى و من نشأ على شىء شاب عليه فالحرية و الديمقراطية بعيدة جدا من الذين يقفون عند عام 1995 و لايدرون ما حدث فى 2005 ارجوا من الاخوة الذين يتهمون الاخرين بالانبطاح الذهاب وقراة اتفاقية السلام الشامل مرة و مرتين ويوضحو لنا فى اية نص تشير الاتفاقية لمحاسبة و مقاطعة المؤتمر الوطنى او عدم التعامل معه و اذا لم تكن هناك اشارة بنفس الشجاعة ارجو ان توجه الاقلام للقيادات التى خانت القضايا المصيرية رغم اننى متاكد تماما لن يجروء احد على ذلك " الطبع يغلب التطبع" و من لم يتعلم فى حلقات الدراسة النقد لن يتعلمها فى غيرها.

 

اما قضية المحاكمة الدولية فى شأن دارفور فهذه قضية اخرى  و فى الختام اقول اننا عندما ننقد احزاب اليسار لا يعنى اننا نرفضها بل نؤد تماما ان الحزب الشيوعى و حزب البعث بمكوناته المختلفة و الحزب الناصرى و غيرهم قوى سياسية قدمت من تضحيات  و نضال طويل و هى ضرورية للعمل السياسى و الديمقراطى فى السودان و لكن ذلك لا يعني ان تقوم مجموعات ربما تكون هى نفسها بعيدة من هذه القوى و لكن تعطى ايحاء انها تمثلها و تحاول ان تفرض الوصايا على الاخرين او تمارس اساليب غير ديمقراطية بحجج واهية و فى الختام ما هى الا تمارين ديمقراطية.