www.yarranile.com

2009-12-20

حتى لا يرتد إلينا البصر خاسئً و حسير. ( زيارة كرار التهامي)

العلاقات الأسترالية السودانية بعد نداء سكرتير جمعية داندينونق

عادل فيصل راسخ  ـ  كانبرا

 

دارت  العديد من الحوارات حول الدعوات لفتح سفارة سودانية باستراليا، و جدوى مثل هذه الدعوات، وعلى صفحات جريدة المهاجرـ الجريدة السودانية التي تصدر باسترالياـ والتي حافظة على انتظام صدورها طيلة الأربع سنوات الماضية.

كان مقالي الحواري مع سكرتير رابطة السودانيين بداندوننق السيد / إبراهيم حسب الله حول النداء الذي أطلقه منادياً بفتح سفارة سودانية باستراليا في تلك الفترة، حيث لم يستنفد حتى الآن مقالي الحوارى مدة صلاحيته ،على خلفية محاولة نظام الإنقاذ الأخيرة لاختراق جاليات المهجر السودانية، بالزيارات المكوكية لأعضاء أجهزة مخابراتها وأمنها و شخصيات الإنقاذ والمؤتمر الوطني   في عبواتها الجديدة.

  نداء إبراهيم مشبع بحب السودان وتسنده رؤى وإرادة للنهوض بالسودان، ومثل إبراهيم الكثيرين الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا رؤاهم الصادقة لتنمية السودان والنهوض بإنسانه.

رأيت أن ابدأ حوار طويل مع الأخ ورفيق المهجر والمواطنة الاسترالية إبراهيم، وكثيرين من الذين يحملون آراء تقارب وتتباعد قليلاً مع آرائه.

ولنبدأ حوارنا الذي سيطول بتتبع علاقة الشعبين الأسترالي والسوداني، ونسبر في التاريخ قليلاً ومرجعي في ذلك ورقة قدمت للمؤتمر السنوي لجمعية الدراسات الإفريقية والأسترالية آسيوية والباسفيك، وقام بنقلها إلى العربية الباحث وطالب الدراسات العليا في العلاقات الدولية بجامعة ماكواري – سيدني. عادل الحاج عبد العزيز (السوداني) الذي تربطنا به العزيز من الصلات. وكذلك مقدمة الورقة ويندي لافي(Wendy levy ) الباحثة لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة الوطنية الاسترالية (استراليان ناشيونال) في مركز الدراسات العربية والإسلامية – كانبرا.

ويندي الأسترالية إحدى العلاقات بين الشعبين، وإن كان تواضعها أو لربما تحريها حياد البحث العلمي ولطبيعة الورقة، لم تشأ أن تشير في ورقتها إلى تجربتها الطويلة في السودان أبان النظام المايوي، وخاصة جنوب السودان وعملها في صحيفة سودان ناو، وعودتها بعد انقطاع دام طويلاً إلى السودان، في عام 2003 لعاصمة حملت آثار الإنقاذ المدمرة على إنسانها وبنيانها وثقافتها. التقيت بها في هذه الفترة بالسودان وُدرتُ بها على ما تبقى من أصدقاء كان مصير أغلبهم الشتات والهجرة فراراً برأيهم ورؤاهم.

تركتها بالسودان وقد توطدت علاقتها برئيسة حركة حق الأستاذة هالة محمد عبد الحليم، التي لم تكن في ذلك الوقت قد تسنمت القيادة ، وان ظلت الناشطة سياسياً والمحامية التي يسع مكتبها التعدد السياسي، والعرقي، والديني في السودان. ويسندها تاريخ بطولي في الحركة الطلابية ونشاطها في قضايا المرأة.

في مقدمة ورقتها قالت: ويندي إن علاقاتنا ( وقد عنت العلاقة الاسترالية السودانية) قد نشأت غالباً في ظل ظروف الصراع والحروب"، ولقد أحقت فيما قالت إلى أن تدفقنا لاستراليا تدفقاً تدفعنا الصراعات والحروب. صراعات بئس الرؤى التي تلبست بلبوس الإسلام العروبي،وتسورت علينا الحكم، وأهاجت الأرض جهاداً باطلاً أهدرت فيه الموارد على قلتها،وأشعلت السودان حروباً جنوبه المتأذي أصلا، وشرقه وغربه، ثم انقلبوا على بعضهم بعضاً .

بذروا ونثروا وغرسوا شجر البؤس، الذي تستطيل فروع حروب الموارد والهوية فيه. هذا يارفيق هجرتي إبراهيم سودان اليوم والمستقبل إذا لم نعمل على اقتلاع شيطانه المدمر أولاً.

جعلت ويندي ليفي ورقتها تتطلع إلى نظرة لمستقبل العلاقات الأسترالية السودانية، متمثلة في حفظ السلام والتبادل التجاري مستقبلاً.

 وعادت بنا ويندني إلى عام 1885 والثورة المهدية تحاصر الخرطوم، والمناداة بإنقاذ الجنرال غردون على أشدها والمستعمرات تتسابق لتقديم يد الوفاء للإمبراطورية الأم (انجلترا).

وعلى رصيف ميناء سيدني، احتشد أهلها لوداع قواتهم المتطوعة إلى السودان، 700 من المشاة ،و200 من قوات الفرسان. وأشارت وندي إلى أن القصص المتعلقة برحلة هذه الفرقة، قد تم توثيقها بشكل جيد في كتاب THE REHEARSAL ، الذي أعده المؤرخ KEN INGLISH في عام 1985 ، نحيل إليه من يريد أن يثري ويسبر غور العلاقات السودانية الاسترالية، والتي أصبحنا من حملت جنسيتي الدولتين.

تحت قيادة بريطانية نزلت القوات الاسترالية في ميناء سواكن على البحر الأحمر، وكان من مهامها تأمين الأرض لإنشاء خط للسكة حديد، والمساعدة في إنقاذ غردون. ومات من هذه القوة اثنين من الاستراليين أحدهم بسبب الدسنتاريا والآخر يعد أول جندي استرالي تفقده استراليا في حربها فيما وراء البحار. لم تمكث القوات الاسترالية طويل حيث عادت إلى سيدني في يونيو من نفس العام.

ولقد أطلقت أسماء مدن سودانية على شوارع أستراليا، تخليدأً لذكرى هذه الفرقة ومنها شارع الخرطوم بالقرب من جامعة ماكواري. وفي زمن لاحق أطلق اسم السودان على حديقة مجلس بلدية (بيرود) بسدني، تخليد لذكرى من شاركوا في الحرب العالمية الثانية.

الذي كان يسمعه ويعرفه الأستراليون عن السودان بعد هذه الحملة. لم يتعدى روايات وحكاوي المبشرين الآتين من جنوب السودان، وجبال النوبة، ومنهم الناسكة المبشرة ماريا بكواث التي عاشت مبشرة وأنشأت لها مستوصفاً طبياً في خمسينيات القرن المنصرم في منطقة جبال النوبة، وعادت ماريا إلى استراليا وقد ناهزت الستينيات من العمر، وأطلقت على دارها أتفضلوا الترحيب السوداني الشهير بالضيف ITFADDALU . أفكار ذلك الزمان كما أشارت ويندي، انحصر في نشر التنوير عوضاً عن فكرة التبادل المتكافئ للمعرفة والثقافة، حيث ظلت الإرساليات التبشيرية الصلة الوحيدة بين الشعبين الأسترالي والسوداني.

ومع إطلالة فجر استقلال السودان الذي لم يتمتع أهله بثمراته، وأدخلته قواه السياسية في إصطراع الطوائف البغيض، وقوده البسطاء الذين استهلكوا واستنزفوا لمصالح طبقات ورؤوس جلست تستمتع بنعيم الخرطوم والمدن، وعائدات كد البسطاء في الريف.

 وفي أوقات أُخر نفس هذه القوى السياسية جرتها مصالحها جراً، ليكونوا مخالب لقوى خارجية، كما فعلت استراليا بحملتها للسودان في 1885 ، فصانعوا الأمريكان والإنجليز ضد الثائر في الكنغو باتريس لوممبا ، تبنوا مواقف الانكفاء ضد حركات التحرر في أفريقيا، والوطن العربي، وخادعوا ثورة عبد الناصر في مصر. وفشلوا في وضع حلول لحرب في الجنوب استمرت أجيالا وأجيال، وقودها الناس والشعارات الكاذبة، توقفت لحين بعد أهلكت الإنقاذ شباباً باسم الدين والجهاد المقدس، الذي خُلع ردائه الآن عندما لم يعد مواكباً للموضة.

  تعرض دكتور عبد الله بولا واصفاً للحالة السودانية بعد الاستقلال، في ورقته شجرة نسب الغول في مشكل (الهوية الثقافية) وحقوق الإنسان في السودان، أطروحة كون الغول لم يهبط علينا من السماء. وكتب:( إن السودان بلد واسع الأرجاء، وهو أكبر قطر في أفريقيا ويتميز بتنوع هائل على صعيد التكوين العرقي والثقافي (( أكثر من 500 مجموعة عرقية وحوالي 150 لغة)) وبدلاً من أن يصبح هذا التنوع مصدراً للغني والخصوبة والازدهار، فقد صار منذ عشية الاستقلال السياسي مصدراً للغبن والشقاق والنزاعات التي لا تمثل حالات توقفها إلا فترات هدنه لاستعداد أكبر والتزود لمزيد من الشراسة في العنف والاقتتال.

في السودان المائر وفي ظل هذا الموار مثلت العلاقات الدبلوماسية بين استراليا والسودان سفارتها في القاهرة، وإلى وقتنا هذا وزيارة متناثرة من بعثتها الدبلوماسية للسودان.

العلاقات التجارية بين الدولتين لم تفتح آفاقها إلا بعد قيام مجلس تنمية التجارة، والذي بدأ نشاطه في أفريقيا عام 1975، حيث زارت بعثة منه كل من تنزانيا، وزامبيا، وكينيا والسودان.

وأشارت البعثة في تقريرها عن السودان، إلى إمكانيات السودان التنموية، وتشابه الطقس، والحوجه المشتركة لإيجاد الحلول لمشاكل جفاف التربة، واستزراع الأراضي. كما لفت نظر اللجنة تواضع المعرفة باستراليا في السودان، كمنتج للمعدات والآلات الزراعية، وقد أوصت البعثة بالاهتمام بتدريب أيادي عاملة سودانية للمساهمة في تنمية البلاد.

وكما أوصى تقرير البعثة بالعمل على إيجاد وكلاء تجاريين محليين للتجارة الأسترالية في الخرطوم بهدف تنمية العلاقات التجارية، وفي الوقت نفسه أشار التقرير إلى أن السودان تواق دوماً إلى التعامل مع أوروبا، وأمريكا، والصين ، واليابان. كما هو الحال في بعض الدول العربية.

ولكن يبدو أن الأمر تغير بعض الشيء، فهنالك العلاقة بين ولاية كوينزلاند ومصنع سكر كنانة، ولظروف السودان الطاردة لجأ لاستراليا من إبتعث للتدريب في كوينزلاند في عهد هذا الإنقاذ الجائر الذي نحن ضحاياه، ولن نكون منقذيه بتقديم شرف الاعتراف بشرعيته للدولة التي آوتنا من شروره.

 فتحت استراليا أبوابا لمنح الدراسات العليا، ولنفس الأسباب التي أبقت متدربي سكر كنانة للجوء لاستراليا حيث آثر البعض منهم البقاء. لأننا قطر لم يتناصح فيه كبارنا وإن جمعهم العرق الواحد، وفي بعض الأحيان النسب، والبنوة. وأيضا الدين الذي كثيراً ما سُخر ليخدم هؤلاء وأبنائهم ، ولم يُسخر يوماً للإرواء عطشى في الغرب، وإشباع جوعي في الشرق، وأطفال تيتموا وزوجات ترملوا وأمهات ثكلا في جنوبه، وعلى اتساع رقعت السودان.

أستغل الدين أسوأ استغلال في عهد الإنقاذ البائس، الذي أصم الأذن برساليته المفضية إلى شتات أبناء السودان على نطاق العالم.

فتحول أمل العلاقات التجارية وتبادل المصالح والتنمية في مخططات الدولة الأسترالية وساستها تجاه السودان. إلى الركض السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فقد انفجرت الحرب في الجنوب انفجاراً على الفترة الأخيرة لرئاسة الأمام المغرر به نميري وضربت المجاعة غرب السودان واحتكرت البنوك الإسلامية قوت غالبية الشعب وضاربت فيه.

وكانت فكرة المساعدات الطارئة وإرسال الإغاثة وعمال الإغاثة، أولوية الحكومة الاسترالية، ونشطت اوكسفام استراليا من الثمانينات و حتى الآن كمنظمة للإغاثة.

 ولكي تكتمل لعنة التدهور المستمر اعتلت الجبهة الإسلامية السلطة، ولم يمر الوقت الطويل حتى قال: وزير التجارة والتنمية لما وراء البحار JHON KERIN  الاسترالي "إن السودان يمكن أن يمثل نموذجاً لدراسة كيفية أن بلداً واعداً يتحول لخراب في ظروف الحرب". شاركت استراليا في شريان الحياة لدرء المجاعة بالجنوب، إبان الديمقراطية ودعمت منظمات الإغاثة العالمية واليونيسيف, وظلت الحكومة الأسترالية تراقب الأوضاع في السودان، وترسل موظفيها من سفارتها في القاهرة لمتابعة الأوضاع عن كثب وممارسة الضغوط الدبلوماسية للاعتراض على انتهاكات حقوق الإنسان في فترة كان تعذيب المواطنين سياسة رسمية للدولة، فُتحت له المراكز واشتهرت على نطاق العالم بيوت الأشباح، ومارست الدولة إرهابها للخصوم السياسيين، وباسم الدين أشعلت حرب الفجار في الجنوب الذي تبرأ منها صاحبها وصاحبهم ودعا الله بالتوبة على ما فعلت يداه.

وتواصل التواصل الأسترالي لإنسان السودان، ومن نيروبي حيث مكتب المفوضية العليا الأسترالية الذي لعب دوره الإنساني، في متابعة أوضاع اللاجئين من أوار حرب الجنوب.

في أكتوبر 2001 رسم المجلس الأسترالي للتنمية الدولية THE AUSTRALIAN COUNCIL FOR INTERNATIONAL DEVELOPMENT سياسته تجاه السودان في خمس نقاط قلصتها ويندي ليفي في ورقتها إلى ثلاث نقاط:

1 – الدعوة لوقف إطلاق النار في كل من جنوب السودان وجبال النوبة.

2 – وقف التنقيب عن النفط في تلك المناطق.

3 – الدعوة إلى مزيد من المساعدات خلال AUS AID .

أتوقف بحواري الذي قلت لك يا رفيق هجرتي إبراهيم، انه سيطول وأتمنى أن تبادلني ماعندك وسأواصله إذا وهبنا مداد القلم في الإصدارة القادمة للمهاجر، لنرى كيف تنظر السياسة الاسترالية للسودان في الفترة من 2004 وحتى الآن وبعد أن تفجرت ماسات دارفور، وضحاياها الذين فاقوا 200،000 روح بريئة ودفعت ب 2,5مليون لاجئ  لتشاد. اترك بعافية .