www.yarranile.com

2009-12-20

الوعى الجماهيرى بين المطالبة بالحق و الموقف السياسى

زين العابدين صالح عبدالرحمن

 

فى منتصف عقد التسعينيات تلقيت دعوة لحضور لقاء حوارى  محدودة العدد اقامه مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية مع المفكر الفرنسى روجى غارودى  فى فندق الماريوت بالزمالك حول كتابه " الاساطير المكونة لدولة اسرائيل"  و هو الكتاب الذى قدم صاحبه للمثول امام المحكمة باعتبار انه كتابا  ضد السامية و قد اعجبت بتحليل قاله غارودى فى ذلك القاء حول التطور المعرفى و الاستراتيجى للدولة او المؤسسة فقال " ان الاساطير التى اعتمدت عليها اسرائيل فى تكوينها كدولة كانت مهمتها الاساسية هى البحث عن الشرعية التاريخية لتلك الدولة قد اجبر الدولة ان تستمر فى خلق الاسطورة لكى تؤكد شرعيتها للاجيال المتعاقبة ثم اضاف ان الشرعية اذا لم تجد تجديدا  يستمر فى انعاش ذاكرة الدولة و الشعب فهى حتما ذاهبة الى الانهيار كما ان المؤسسة التى تحاول دائما ان تبحث عن شرعيتها بعيدا عن قاعدتها هى ايضا سوف تنهار وفى العمل السياسى ان المؤسسة السياسية التى لا تراجع اعمالها و تقيم عملها بعد كل فترة بمنهج نقدى سوف تكون ة عرضة فى المستقبل لمجموعات الانتهازيين و الوصوليين الذين يؤثرون فى اهم خصائص المؤسسة و هو الابداع و المبادرة و اضاف قائلا ان الاثنتين معا لا يتحققا الا اذا كانت هناك رؤى و اضحة ووعى سياسى للجماهير المناصرة للفعل السياسى" 

 تذكرت هذا التحليل بعد ان تلقيت دعوة لحضور اجتماع  كان من المفترض ان يناقش قضية " رفع مذكرة" تطالب اللجنة القومية للانتخابات بتسجيل اسماء السودانيين فى استراليا بهدف مشاركتهم فى انتخابات ابريل 2010 و هو حق دستورى  لكل مواطن مستوفى الشروط التى حددها قانون الانتخابات و لا اعتقد ان هناك مواطنا يرفض مثل هذا الطلب الا اذا كان له موقفا اخر و هذا ايضا حق ديمقراطى و لكن التغبيش الذى حدث فى الدعوة الاولى جعل هناك تحفظ للمشاركة مستقبلا لان الوضوح فى المقصد ضرورى جدا كما ان المطالبة بالحقوق تختلف تماما عن الموقف السياسى.

 وقد فوجىء الحضور " 65 شخصا" ان هناك مذكرة معدة سلفا من قبل لجنة لا يعرفون من الذى كونها و عليهم فقط قراة المذكرة و التوقيع عليها الامر الذى رفضته الاغلبية بعد نقاش طويل لم يستطيع الداعين للاجنماع اقناعهم بالتوقيع وهذه واحدة من اشكاليات المذكرة حيث انها مذكرة ليست للمطالبة بحق التسجيل انما هى مذكرة لاتخاذ موقف سياسى من الصراع الدائر فى السودان حول العملية الانتخابية و هنا الفرق بين ما هو معلن عنه و بين هو مطلوب القيام به فى محاولة تجهل تماما ان الازمة السياسية التى يمر بها السودان خلقت وعيا جماهيرا لا يمكن استغفاله ان كان من قبل المعارضة او الحكومة لذلك يجب التعامل بوضح فى مثل هذه القضايا.

 

يقول عنوان الذكرة " حق التسجيل و التصويت للسودانيين المقيمين بكونزلاند- استراليا"  و هو المطلب الذى لا يختلف عليه اثنين باعتبار انه حق كفله الدستور لكل مواطن سودانى و لكن الحق نفسه مقيد بقانون الانتخابات لان من يحق اليهم التسجيل هم فوق 18 سنة و عن السودانيين المقيمين فى الخارج الذين يحملون جوازات سفر سودانية  صالحة و اقامة قانونية فى البلد الذى يعيشون فيها.

 

اما نقاط الخلاف تتمثل فى الاتى:

 

تقول الفقرة الثالثة صاحبت عملية التعدد السكانى الريب و الشكوك من بعض القوى اليباسية مما يترتب على ذلك عدم المصداقية. وهذا موقف سياسى....!

 

تتحدث الفقرة الرابعة فى المذكرة عن القوانيين المقيدة للحريات  و ان هذه القوانيين تمت اجازتها بالاغلبية الميكانيكية و قد رفضتها بعض الاحزاب السياسية. و هذا ايضا موقفا سياسيا....!

 

تقول الفقرة الخامسة ان هناك تلكؤ فى ايداع قوانيين الاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان و مشروع قانون المشورة الشعبية حتى هذه اللحظة. و هذا ايضا موقفا سياسيا....!

 

تقول الفقرة السادسة . قضية دارفور هى الاخرى احدى تحديات الاستقرار السياسى بالبلاد و التى ماتزال تشكل هاجسا اقليميا و دوليا حيث كيف يتتم عملية الانتخابات تحت ظل هذه الظروف. و هذا موقف سياسى....!

 

و تتحدث الفقرة السابعة عن الارهاصات و الخروقات التى صاحبت عملية التسجيل و المحاولات الدؤوبة من قبل المؤتمر الوطنى لاجهاض اداء الاحزاب السياسية الاخرى. و هذ ايضا موقفا سياسيا....!

 

ان الوضوح و الشفافية تمثل ركائز اساسية لقضية الديمقراطية كما ان احترام الوائح و القوانيين من قبل الحكومة و المعارضة ضرورية حيوية جدا للتحول الديمقراطى و كما ذكرنا تكرارا ان واحدة من عقبات الديمقراطية فى السودان هو خرق الوائح و القوانيين و كان من المفترض ان تكون المجموعة الداعية للاجتماع ان تكون واضحة جدا نها بصدد بعث مذكرة لتحديد موقف سياسى من الاشكاليات و العوائق التى تقف امام التحول الديمقراطى و الانتخابات حتى تكون نزيهة او موقفا مؤيدا لقوى المعارضة فى صراعها مع حكومة الوحدة الوطنية و المؤتمر الوطنى و ليس اكتفاء الدعوة بحق التسجيل فقط ثم تظهر مذكرة لاتخاذ موقف سياسى الامر الذى رفضته الاغلبية.

 

كان من الافضل كما ذكرنا من قبل ان يجتمع ممثلى القوى السياسية للتباحث حول الاحداث السياسية الجارية فى السودان و يتم اتخاذ موقف من خلال المؤسسات السياسية المعنية بالامر ثم ترسل بانها تمثل راى اعضاء هذه الاحزاب واعدادهم غير معروفة  دون احراج للاخرين الذين لا يريدون التعاطى مع السياسة و فى كل دول العالم و العريقة فى الديمقراطى ان عدد المقترعين فى احسن الاحوال لا يتجاوز 70% و هذا لا يعنى ان الذين رفضوا الذهاب للاقتراع انهم يؤيدون الحكومة انما هناك ظروف تكون قد منعتهم او انهم لا يريدون المشاركة فى العمل السياسى و لم نسمع او نقرأ ان المعارضة اتخذت منهم موقفا او نعتتهم باشياء بعيدة عن ممارسة العمل الديمقراطى.

 

من المعروف ان الحركة السياسية فى السودان تمر بازمة شديدة جدا بسبب التحديات التى تواجهها ان كانت داخل التنظيمات السياسية او فى الصراع بين القوى السياسية مع بعضها البعض و هذه الازمة ليست و ليدة اليوم انما مستمرة منذ انقلاب مايو عام 1969 و حتى اليوم و دائما مثل هذه الازمات تصعد الى سطح العمل السياسى اصحاب القدرات المتواضعة جدا و هولاء دائما يصبحون القود الفاعل لاستمرارية الازمة الامر الذى يعطل الابداع و المبادرات داخل التنظيم لذلك يعتقد الكثير ان مثل هذه الازمة لا مخرج منها الامر الذى يدفع البعض للحشد فقط و هو الفعل الذى اضعف العمل السياسى فى السودان.

 

ان اتخاذ المواقف السياسية دلالة على الوعى و الاهتمام بقضايا الوطن و المواطن و محاولة للمساهمة فى حل الازمة السياسية التى يمر بها السودان و لكن يجب ان يكون هناك وضوح و شفافية عالية جدا للتعامل مع هذه القضايا على ان تكون الاجندة كذلك واضحة و عدم الاستهانة بالوعى الجماهيرى لان القوى او المجموعات التى تريد ان تبنى صروح الديمقراطى تعلم تماما ان اية خطوت تقوم بها يجب ان تكون طوبة مضافة للثقافة الديمقراطية و ان الحوار هو الطريق الوحيد للوعى بعيدا عن المزايدات السياسية و يجب ان يكون لكل مواطن سهما و صوتا واحدا ليس هناك افراد مميزين.

 

و من المعروف ان الديمقراطية تقوم على قاعدة الراى و الراى الاخر و اعطائه الفرصة لكى يعبر عن ذاته و العزل و المنع هى من صفاة الديكتاتورية و التيلتورية و اعتقد ان الكل مع التحول الديمقراطى و القوانيين التى تدعم العمل الديمقراطى و تفكيك دولة الحزب الواحد و لكن بعيدا عن السلوك و الممارسات غير الديمقراطية التى درجت ان تقوم بها بعض المجموعات ان كانت فى السودان او خارج السودان او افعال الوصايا حتى نستطيع ان نساهم فى ان تخرج بلادنا من هذه الازمة الضاربة جذورها فى اعماق الارض.

 

القضية الاخرى التى هى موضع جدل و نقاش هى الشكوة الدائمة للخارج " كما هو مشار اليه فى المذكرة" ان كانت للامم المتحدة او الدول الاوروبية و الولايات المتحدة الامريكية و مثل هذا السلوك يؤكد عدم ايماننا بالجماهير ووعيها و يؤكد ضعف احزابنا انها تحاول ان تنقل مشاكلنا الى الخارج لكى يقوم بدلا عنها باسقاط النظام او ممارسة الضغط عليه و هى اشكالية بدات تظهر فى عقد التسعينات و مستمرة حتى الان و اعتقد اذا فشلت الاحزاب على تغيير النظام فافضل لقياداتها عزل العمل السياسى و الجلوس فى منازلهم بدلا عن رهن البلاد للاجنبى ىاو محاولة اقحامه فى المشاكل الداخلية لبلادنا.

 

يجب علينا ان نتعاهد نحن السودانيين جميعا ان يكون الوطن خطوطا حمراء يجب عدم المساس به و يجب علينا جميعا المحافظة عليه وان الديمقراطية خيرا و حيدا لحكم السودان اما تفاصيل السياسة اليومية شأن يخص كل فرد ان يتخذ الموقف الذى يراه مناسبا لقناعاته.