العرب أونلاين- فريد أبو سعدة*: "قارورة ُ صمغ"، الذى صدر مؤخراً عن دار ميريت
المصرية، هو الديوان الخامس للشاعرة فاطمة ناعوت.
فازت مخطوطة الديوان بجائزة الشعر العربى فى هونج كونج عام 2006، وصدرت ترجمتها
إلى الصينية والانجليزية معا، فى انطولوجيا واحدة، عن دار"ندوة بريس" فى مطلع
عام 2007.
تتراوح النصوص فى "قارورة عطر" بين الطول -المفرط أحياناـ وبين الجملة الشعرية
الوجيزة، فمن بين 48 قصيدة ــ تشكل كتلة النص الشعرى ـ هناك 15 قصيدة بالغة
الوجازة كما فى قصيدة "محمد الشامي" التى لا تزيد على ثلاثة أسطر:
يقلبُ ساعتـَهُ/ فينشق الجبلُ/ عن وجه يوسف. ص76
وقصيدة "زحام":
فى الزحام/ أغمض عينيْ/ لأختبئَ معكَ خلف شبكيتى . ص 99
أوقصيدة "هكذا" فى سطرين فقط :
كلما ابتعدتُ عنكَ/ ازددتُ بياضا . ص88
وهى القصيدة التى ستستخدمها الذات الشاعرة، فى تناص مع قصيدة طويلة بعنوان
"ضرورة أن تكون النهايات حاسمة" عندما تقول: لماذا صدقتنى حين قلت:/ إننى
ازدادُ بياضا/ كلما نأيتَ عني؟ ص 128 مع تغيير يبقى النأى ويغيرُ النائي.
النصوص القصيرة، بعناوينها ذات الكلمات المفردة، تطفو فى فضاء الديوان دون
تأريخ، يربطها بالكتلة النصية، على عكس ما تحرص عليه الذات الشاعرة فى كل
النصوص الطويلة، وهو ما يطرح سؤال البنية، سؤال تشكيل الفضاء النصى فى الديوان،
والوظيفة التى يتوخاها المعمارى من عناصره وهو يوزعها على الفضاء المتاح، يثير
هذا السؤال كون فاطمة ناعوت مهندسة معمارية.
تقول فى حوار معها:
"لا شيء يعدل القصيدة عندي. حتى متعة تأمل منشأ معمارى صممتُه على الورق خطًّا
فخطًّا، وشهدتُ ميلاده ونموه حجرا حجرا حتى استوى على عوده بناءً سامقا بعدما
كان محض فكرة فى ذهني، ثم حفنة خطوط رصاص فوق لوحتي، حتى هذه المتعة القصوى لا
تفوق متعة كتابة قصيدة جميلة".
الديوان ممتع حقا ولعله الأكثر صفاء وحميمية فى تجربتها، الحميمية التى تتأتى
من كونه صادر عن ذات شعرية هى نفسها الذات الراوية، ومن اختلاط كتابة السيرة
الذاتية بالرغبة فى تخييل العالم.
فى الديوان احتفاء بالأطفال، والفنانين، والشخصيات الأدبية، وهى حفاوة تؤكد
استمرارية الهامش وقدرته على تجاوز الموت.
كما تعيد إنتاج دلالات الأنوثة، فى سياقات ثقافية، وتخيلية، ونصية عديدة، كما
تعيد تأويل الأساطير واللاوعى الجمعي، وتمارس السخرية من المنطق الأحادى للموت،
والحرب، والجنس، والقضايا الكبرى.
نص فاطمة ناعوت يختلف عن نص مجايليها من الشعراء، ويتمايز باستخدامها لبعض
التقنيات الشعرية التى تأسست عبر نصوص السبعينيين، من مثل الترصيع الايقاعي،
الذى تستخدمه فى قصيدة "العودة"، حيث تتوالى مقاطع نثرية ينتهى كل مقطع بسطرين
من وزن "الكامل"، وكما فعلت بشكل مبتكر ومميز فى قصيدة "فول نابت" حيث أجرت
حوارا بين عرافة بوهيمية وبين فتاة صغيرة تشكو لها.
جاء الحديث على لسان الفتاة نثريا، فى مقابل حديث العرافة الذى جاء على وزن
"الخبب"، ولو أنها غيرت من الأداء اللغوى بين المتحاورتين، بما يلائم الشخصيات،
لكننا أمام تجربة غير مسبوقة فى مسرحة النص.
من غوايات السبعينيين أيضا إمطار النصوص بعشرات الأسماء، وأخص ما يأتى زائدا عن
الحاجة، ولأغراض تبدو خارج النص، أو التى تأتى تثاقفا يعوق التلقي، ويخدش
الحميمية، التى نجحت الشاعرة فى إذكائها مع القارىء.
وهناك أيضا استخدام الاسطورة حيث تنجح فى إعادة قراءتها بما يجعلها جزءا من
الحياة اليومية، وحوارا يكشف الحاضر بالماضى، فعلت ذلك فى قصيدة "عودة" مستدعية
بنيلوبي، وفعلت ذلك فى قصيدة "سليمان" مذكرة بحكمه الغريب فى قضية الطفل، تاركة
بحدسها "شعرة معاوية" تشتغل فى فضاء النص.
كما تستخدم فى نصوصها التناص والتضمين لكنها تتعثر أحيانا إذ تقول:
تنصتوا على الصبية والفتى/ جوار الساقية العجوز:/ ـ لو لم يكن بك عليّ غضبٌ لا
أبالي!/ ـ فقال: بي!. ص 11.
بينما تنجح فى نصوص أخرى حيث تقول فى قصيدتها الجميلة "ألف لام ميم":
أن تقضى رأسَ السنةِ وحيدةً / فيما الصحابُ منثورين فى أرض الله،/ والكتب تنامُ
وادعة ً فوق الرف،/ أن تمضى الليلَ بين مراجع الرياضيات/ فى محاولة ٍ لحساب عدد
الألف واللام،/ فى رسالة الحبيبْ/ الذى عبسَ وتولى/ بعدما رتقتِ كعبَه المثقوب/
أن تغلفى حيطان بيتك بالفلينْ/ كى تهربى من صوت موتاكِ ينادون عليكِ/ فذاك
يعني/ أنكِ زائدةٌ عن الحاجة .
فى هذا يشتغل التناص ابتداءً من عنوان القصيدة مرورا بـ "عبس وتولى"، وصولا إلى
الكعب المثقوب، ليرتفع بالنص إلى فضاءات من التأويل.
عالم واسع مشتبك ومعقد، عذب وجارح، قاس ورحيم، هو مراح الذات وقفصها فى آن،
تشير إلى نقصه وتحلم بتجاوزه، عبر قنصة بشبكة اللغة، وبسحرها، حيث يمكننا
امتلاك ما نقدر على تسميته، كما تقول ناعوت:
"وفى غمرة الفرح أتمتم:/ هندسة الكون وظيفتي!"
______________________
* شاعر مصرى من جيل السبعينيات