www.yarranile.com

2009-12-20

سياحة فكرية مع الوزير لوكا بيونق دينق

زين العابدين صالح عبدالرحمن

 

 

تلقيت دعوة كريمة من الاخوة ابناء ابيى فى "برزبن" عاصمة و لاية كوينزلاند باستراليا للمشاركة لحضور الاحتفال الذى اقامه ابناء ابيى بمناسبة قرار المحكمة فى احدى الصالات المعروفة فى المدينة حيث احتشد الاخوة من جنوب السودان من الصباح الباكر تتقدمهم جموع ابناء قبيلة الدينكا بمختلف بطونهم و عشائرهم حيث كانت الكلمات و القصائد الحماسية التى اختلطت فيها الكلمات و المعانى المختلفة التى تحمل اشارات عديدة التى تبين القناعات المختلفة للناس على مختلف مستوياتهم الاجتماعية و النخبوية و لكنه كان احتفالا يعطى مؤشرات فى جميع الاتجاهات لان الكلمات لم تكن محكومة باغلفة الدبلماسية و السياسة انما محكومة بالدوافع العاطفية و الاحاسيس الطبيعية لذلك كانت حمالة اوجه.

 

حضر الاحتفال السيد لوكا بيونق دينق وزير شئون الرئاسة فى حكومة جنوب السودان  و السيد بيتر بشير رئيس لجنة الاعلام فى المجلس التشريعى لجنوب السودان و لان الاحتفال كان فى احد ايام شهر رمضان الكريم و كنت مرتبطا بدعوة للافطار مسبقة فغادرت الاحتفال قبل ثلاثين دقيقة من وقت الافطار رغم ان الاخوة القائمين على تنظيم الاحتفال اعدوا مائدة كبيرة للاخوة الصائمين هذه المغادرة منعتنى من سماع كلمة السيد لوكا و بيتر فى الاحتفال لذلك طلبت من الاخوة ان يرتبوا لًى لقاء خاصا مع السيد لوكا بيونق و بالفعل اتصل بى الاخوة بان السيد الوزير قد وافق على حوارا فكريا يتطرق لعدد من القضايا المطروحة فى الساحة السياسية السودانية و قد تاجل اللقاء مرتين بسبب اشياء طارئة تخص السيد الوزير على ان يرتب اللقاء بعد العيد الفطر المبارك و عندما كنت فى احتفال الجالية السودانية بالعيد فى اول ايام العيد فى مدينة " برزبن " حيث تلقيت محادثة من الاخ اقوك سكرتير رابطة ابناء ابيى فى استراليا ان السيد الوزير سوف يلتقى معى فى الخامسة مساء فى منطقة اوسطى اى فى بيت اخ صديق من ابناء ابيى بين المكان الذى كان  يقام فيه الاحتفال و المكان الذى يقطن فيه السيد الوزير.

 

فى الحيث الذى سبق اللقاء اثرت عددا من القضايا بشكل غير منتظم وبعض منها متداخل و اخرى غير مرتبطة مع بعضها البعض و عرفتها انها قضايا ليست للنشر لكى اعطى الوزير الحرية فى الحديث عن القضايا المختلفة ليتسنى لىً ان اتعرف عن اماكن التحفظ و التى تعد تابوهات فى الحركة الشعبية و تمنع عدم الاقتراب منها و هى مراكز المشكل التى تؤثر فى المجرى العام للصراع اضافة للتعرف على الرجل و مدى استطاعته على الربط بين القضايا و منهجتها و اسلوب التعاطى معها وفوجئت اننى امام  رجلا يعد مستمعا جيدا لديه قدرة فائقة على فهم وادراك الاشياء و الربط بينهاو متحدثا لبقا و اسع المعرفة و الاطلاع حيث تحدث بصراحة فى كل القضايا التى طرحت فى الحوار.

 

قلت للسيد الوزير ان هناك تغييرات كبيرة حدثت فى المجتمع السودانى ديمغرافيا و اجتماعيا كما ان توسيع دائرة التعليم العام والعالى و رغم راى الناس فى المستوى الاكاديمى له الا انها اثرت فى الساحة السياسية و الولاءات القديمة و من هنا ظهرت قوى سياسية جديدة فى الساحة منها الحركة الشعبية و المؤتمر الوطنى و بعد اتفاقية السلام اصبح هناك دور محورى ومركزى لهما فى الشأن السياسى السودانى هل تعتقد ان تحالفا استراتيجيا يمكن ان يحدث بين الشريكين رغم الاختلاف الفكرى  والمنهجى و الاجتماعى الذى يحكم كل منهما؟

 

بعد وقفة ليست بالقصيرة قال السيد الوزير اننى فهمت السؤال و مغذاه و سوف اجيب عليه بكل صراحة ووضوح:

اولا – أوكد ان توقيع المؤتمر الوطنى على اتفاقية السلام يعد جرأة سياسية كبيرة تعترف بحقوق اهل الجنوب حيث فشلت فى السابق القوى السياسية السودانية التى تعاقبت على السلطة فى تحقيقها و تعد الاتفاقية نفسها تحول فى البناء الفكرى للاخوة الاسلاميين كما ان توقيع الحركة على الاتفاقية تعد جرأة سياسية منها بان تقبل ان يكون الفكر الاسلامى احد مكونات الحياة السياسية فى السودان و من هنا كانت هناك فرصة كبيرة جدا لبناء تحالف استراتيجى بين الحركة الشعبية و المؤتمر الوطنى لتامين عملية الاستقرار و السلام و التنمية فى السودان اضافة للتحول الديمقراطى لان تامين استمرارية الاستقرار تاتى من الاتفاق على التداول السلمى للسلطة و ارجاع هذا الحق لشعب السودان و ليس لمؤسسات اخرى.

 

ثانيا – ان الساحة السياسية السودانية مهيأ لكى تتقبل مثل هذا الطرح و العمل من اجله و خاصة ان المجتمع الدولى كان مهيأ لكى يقبل مثل هذا الوضع اضافة الى اكبر ضامن هو الشعب السودانى و لكن المؤتمر الوطنى فشل فى تقدير هذه الاشياء و خاصة بعد موت قرنق و اعتقد ان الحركة ربما تكون قد شل قدرتها الموت المفاجىء لذلك بدات فى المماطلة و التسويف فى العديد من القضايا و كان على الحركة ان تثبت انها قادرة على التكتيك و المناورة بذات القدر لشريكها و كذلك قادرة على انتزاع حقوقها بالوسائل الديمقراطية و التى تعد وسائل جديدة على المؤتمر الوطنى.

ثالثا – ان اغلبية القوى السياسية السودانية ايدت اتفاقية السلام و كانت هى نفسها يمكن ان تصطحب فى تحقيق و انجاز كل الاشياء التى اشرت اليها.

 

مقاطعا هذه الرؤية كانت قبل موت دكتور قرنق او بعده؟

 

قال السيد لوكا انها الرؤية الاستراتيجية للحركة التى حاولت ان تجعلها واقعا سياسيا قبل موت قرنق و بعده حيث كانت هناك ثلاثة خيارات امام الحركة بعد الاتفاقية كما انها خيارات مطروحة حتى الان امامها:

 

الخيار الاول - الذى كان امام الحركة ان تتحالف مع المؤتمر الوطنى فى تنفيذ الاتفاقية وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة و العمل على الاستقرار و السلام و التنمية حتى تصبح الوحدة جازبة لكل السودانيين و ليس فقط للجنوبين بغرض تقرير المصير و رغم للخيار ايجابياته الا انه يحمل سلبيات و خاصة ان الذين امنوا بشعار السودان الجديد سوف يعتقدون ان الحركة قد تخلت عن اطروحاتها الفكرية و تحالفت مع القوى الاسلامية و التى حكمت قرابة العشرين عاما و ارتكبت فيها الكثير من انتهاكات حقوق الانسان و التشريد و لكن كانت للحركة ردودها فى ذلك و كانت مرحبة ان تتعاون مع شريكها الى ابعد درجة لتحقيق و تنفيذ الاتفاقية و لكنها وجهت بشريك له رؤية و احدة كيف يقبض على السلطة و يتحكم فى الاخرين.

 

الخيار الثانى – ان تتحالف الحركة الشعبية مع القوى السياسية الاخرى ضد المؤتمر الوطنى و تحاول من خلال التحالف ان تنزل الانتخابات الرئاسية و الفئوية و الجغرافية بتحالف عريض ضد مرشحى المؤتمر الوطنى و هو الخيار الذى تغط بعض القوى السياسية لتنفيذه الان و لكن الحركة الشعبية حتى الان لم تتبن هذا الخيار لانه هو نفسه يحمل سلبيات كثيرة اولا يجعل المؤتمر الوطنى يتمسك بالسلطة بشتى الوسائل حتى لو ادى الى تقويض الهامش الديمقراطى المتاح اضافة الى انه سوف يعطى المؤتمر فرصة كبيرة لتسخير مؤسسات الدولة من اجل البقاء.

 

الخيار الثالث – ان تقف الحركة الشعبية فى الساحة السياسية لوحدها بعيدا عن القوى السياسية و المؤتمر الوطنى و تعمل من اجل بناء السودان الجديد و طرح رؤيتها الفكرية على الشعب السودانى و هو خيار فيه كثير من التحدى على الحركة الشعبية لانها سوف تكون فى مواجهة المؤتمر الوطنى اضافة للقوى السياسية الاخرى و هو تحدى لا تساعد الامكانيات المتوفرة الان للحركة ان تسلك طريقه رغم ان الحركة تؤهل نفسها تماما الان اذا فرض عليها هذا الخيار ان تكون مستعدة له و لا تهرب من الساحة.

 

السيد الوزير رغم طرح سيادتم لثلاث خيارات تكون امام الحركة الا ان سيادتكم لم تجاوبنى بصورة قاطعة عن قضية التحالف المرحلى مع المؤتمر الوطنى لانجاز ما تبقى فى اتفاقية السلام و العمل من اجل التحول الديمقراطى؟

 

بعد برهة حاول السيد لوكا فيها ان يختار كلماته بعناية قال بعد اربعة سنوات من الشراكة مع المؤتمر الوطنى ولدت مرارات عديدة حجبت افق التعاون بين الشريكين حيث تماطل المؤتمر الوطنى فى تنفيذ الاتفاقية سياسيا و اقتصاديا الى جانب اصراره على ابقاء القوانين المقيدة للحريات و تشجيع المجموعات المسلحة لاتخاذ موقف ضد الحركة بهدف العمل لاهتزازات الامن فى الجنوب اضافة للانفلاتات الامنية حتى يقول للمجتمع الدولى ان الحركة عاجزة عن صناعة الاستقرار فى الجنوب كما ان المؤتمر يقوم بشن حملات اعلامية ضد قيادات الحركة فى القطاعين الجنوب و الشمال الهدف منها صرف الحركة عن اهدفها الحقيقة و تامين الحاجات الضرورية للناس.

 

قلت للسيد لوكا لماذا تعتقد ان المؤتمر الوطنى يرفض التحول الديمقراطى و يصر كما قلت على ابقاء القوانيين المقيدة للحريات؟

 

قال ان المؤتمر لا يريد التحول الديمقراطى الحقيقى انما يريد فقط الاشياء التى تبقيه قابضا لوحده على السلطة فى السودان و اذا كان المؤتمر الوطنى ضامنا الفوز فى الانتخابات كما تردد قيادته اعلاميا كان قد قبل عملية التحول الديمقراطى و اول خطواتها الغاء القوانيين المقيدة للحريات حيث لا ديمقراطية مع قوانين تقيد حرية الافراد و المجموعات و فى ذات الوقت كنا قد طلبنا ان يكون هناك تحديثا فى جهاز الامن على ان تنحصر و اجباته فى جمع المعلومات و تحليلها و تقديمها الى القيادة السياسية و هى التى ترى ماذا تفعل بموجبها على ان توقف تماما عملية الاعتقالات و التوقيف للمواطنين و السياسيين و لكن المؤتمر رفض ذلك و قال لا يمكن ان يكون جهازا بدون اسنان و قلنا لهم هذه الاسنان مهمة مؤسسات اخرى لكنهم رفضوا ذلك.

 

حول قضية قطاع الشمال فى الحركة و الاشكاليات التى تواجه هذا القطاع قلت للسيد الوزير كيف تقيم الحركة اداء قطاع الشمال و ماهى حقيقة الصراع داخل هذا القطاع؟

 

قال السيد لوكا بيونق وزير شئون حكومة الجنوب ان قطاع الشمال هو اهم قطاع فى الحركة الشعبية و ان الحركة تعول على هذا القطاع كثيرا لاننا فى الحركة نريد ان ننقل المعركة السياسية فى الشمال و المؤتمر مدرك لهذه الحقيقة و نحن نعتقد ان المعارك السياسية الحقيقة للحركة لبناء السودان الجديد تتم فى شمال السودان و خاصة الاستحواذ على مساحات فى الشمال سوف يوسع دائرة الوعى الجماهيرى بفكر السودان الجديد و المؤتمر الوطنى مستوعب لذلك تماما لذلك جعل قطاع الشمال ساحة اساسية لمعركته مع الحركة سياسيا و اعلاميا و من هنا تاتى الاتهامات لقيادات قطاع الشمال لكى يصرفهم عن دورهم الحقيقى كما درج المؤتمر الوطنى ان يفجر عددا من القضايا فى اماكن مختلفة لكى يشل بها قدرات الحركة الشعبية و كلها قضايا انصرافية الخاسر فيها هو الشعب السودانى.

 

من خلال ما طرحت السيد الوزير ان قضية قطاع الشمال تعد مشاكل مصطنعة اعلاميا و سياسيا تنتجها دوائر المؤتمر الوطنى فقط؟

 

قال اننى اعترف ان هناك مشاكل فى قطاع الشمال و لكنها مشاكل طبيعية و عادية تحدث فى كل القوى السياسية لاختلافات الرؤى للقائمين عليه و لكن الاخوة الشركاء يحاولون تضخيم ذلك  يحاولون فى حملاتهم الاعلامية ضد الحركة بصورة عامة و قطاع الشمال بصورة خاصة ان يقولوا للناس فى الشمال ان الحركة الشعبية حركة جنوبية و يجب عدم التعامل معها فى هذا الاطارو الهدف من ذلك هو قتل مشروع الحركة السياسى شعبيا.

 

ان الجولات الاخيرة للسيد سلفاكير مريديت النائب الاول لرئيس الجمهورية و رئيس حكومة الجنوب و رئيس الحركة الشعبية كانت ناجحة كما ان كلماته فى جنوب كردفان و النيل الازرق و جدت صدى طيبا شعبيا و سياسيا الا تعتقد ان الحفاظ على مثل هذا الخطاب السياسى سوف يوصل رسالة الحركة شعبيا و فى نفس الوقت قادر على خلق فرص للحوار اكبر مع الشريك و مع القوى السياسية الاخرى ام هناك صراعا للرؤى داخل الحركة؟

 

السيد الوزير لوكا- ان الزيارات التى قام بها السيد رئيس حكومة الجنوب لكل من جنوب كردفان و النيل الازرق كانت ناجحة و سوف تستمر لكل اقاليم السودان المختلفة و اعتقد ان الجماهير سوف تتجاوب معها اما الحفاظ على مثل هذه الغة او الخطاب السياسى بالضرورة نحن نميل لمناصرة هذا الخطاب و دائما حواراتنا داخل البناء التنظيمى للحركة نحاول ان نميز بين صراعنا مع المؤتمر الوطنى و رسالتنا الى الشعب السودانى ولكن فى ظل المتابعات المستمرة تخرج كلمات ربما لا تفهم بشكل مقبول عندما تنتزع من سياقها العام و انا افهم ما ترمى اليه ان كل القوى السياسية فى السودان داخلها رؤى مختلفة و خاصة فى ظروف التحولات السياسية و لكن يجب ان لا نحاكم هذه الخطابات من خلال رؤانا الشخصية  او ما نتوقعه سياسيا بعيدا عن الظرف الذى قيلت فيه و لكن احاول ان اؤكد لكم اننا نسعى دائما ان يكون الخطاب للقيادات ملائم للطرح الفكرى للحركة الشعبية.

 

اود الرجوع مرة اخرى لما بدأنا به الحوار التحالف الاسترتيجى مع الشريك بهدف انجاز ماتبقى اذا تغير الاطار العام فى حدود ما يضمن تنفيذ للاتفاقية و حلحلة للمشاكل العالقة لمواجهة التحديات الاخرى مثل التحول الديمقراطى و قضية دارفور و الانتخابات و تقرير المصير؟

 

بعد ا اخذ السيد الوزير نفسا عميقا قال لى لماذا تريد ان تحاصرنى فى هذا الاتجاه و اقول اليك ان الوقت "لم يفوت" و مازال هناك وقت من اجل صناعة قواعد جديدة للتحالف الذى يمكن ان يؤدى الى التحول الديمقراطى  انا حقيقة اقول ان مبادىء الحركة الشعبية هى المنقذ الوحيد لذلك لانها تدعوا الى سودان للجميع و لكن لان هناك خلاف جوهرى فى الفكر بين الشريكين اعتقد ان الاتفاقية وضعت كذلك قواعد لحل مشاكل السودان اعرف ان ماذكرته لا يرض دوافعك لانها لم تكون مباشرة فى الاجابة و لكن اكرر ان الوقت يسمح بتقديم مقترحات جديدة على ان لا تتجاوز اتفاقية السلام و لكن البحث فى مخارج تهدف لصناعة السلام و الاستقرار فى السودان ضرورة وواجب على النخب السودانية اننى اوعدك ان اية رؤية سوف تجد اذن صاغية فى الحركة الشعبية.