|
www.yarranile.com |
2009-12-20 |
|
ادريس جماع نادية البنا |
|
كتب في مقدمة ديوانه لحظات باقية : ( ان اتجاهي في الشعر – ولا اقول مذهبي – يحترم
الواقع ولكنه يريد له الاطار الفني – ولا يغض عليه بالنظرة الجمالية ويساهم في دفع
الحياة الي الامام ، ولا يجرد الشعر من اجنحته ولكنه يابى التحليق في اودية المجهول
ومتاهات الاوهام . ويحب الجديد لا لانه جديد ، ولكن للخلق والابتكار . ويحب الانسان
وينغفل بالطبيعة . وليس هو رد فعل لاتجاه او تاكيد لاخر . هذا هو الطابع الذي اظن
ان شعري قد انطبع به شئت عامدا او لم أشا . فتكويني في حملته يتجه بي هذه الوجهة .
وان اردت لشعري غير ذلك لعصاني رشيق علي . فهذه القصائد هي من نفسي ومطابقة لها وهي
ومضات في حياتي(.
وبالفعل شهد له اعداءه ومعاصر نقاده وتلامذته ومناصريه منذ طفولته الباكرة بانه
ينبوع من الانسانية المتوقفة التي زاوجت ما بين الذكاء والنبوغ فانجت شعرا ساخرا
انسانيا ........ بانا شيد الحرية ، يحلم بالثورة والتغيير واجلاء المستعمر وينشد
جمال والهدوء في الحياة ويمجد الطبيعة . والانسانية يتنادي رسالة الساعر المتزم
تجاه وطنه ومبدئه – الي ان رحل عن دنيانا الفانية بجسده مخلدا لنا اروع ما سجل
الشعر السوداني من قصائد راقية مثمرة حلوة لكل لحظاته الباقية من حياته الماضية.
لكن بعض نقاده وبعض دارسيه اخذوا عليه قلة كتابته الشعرية
في المرآة والتي لم تحظي في مشواره الادمي الا بقصيدتين فقط اشهرهما بقصيدة انت
السماء والتي يتغني بها الفنان الراحل سيد خليفة :
اعلي الجمال تغار منا
ماذا عليك اذا نظرنا
هي نظرة تنسي الوقار
وتسعد الروح المغني
دنياي انت وفرحتي
ومني الفؤاد اذا تمني
انت السماء بدت لنا
واستعصمت بالبعد عنا
قيدت حسنك في الخدود
وصنته لما تجني
وحجبته فحجبت سحرا
ناطقا وحجبت كونا
وابيت الا ان اشيد
للجمال الحر سجنا
هنته منك محاسن
غني بها لما تغني
ولمحت في عينيك افاقا
واسرارا ومعني
يا شعلة طافت خواطرنا
حواليها وطعنا
حدث عهودك في الصبا
واسال عهودك كيف كنا
كم باللقاء سمحت لنا
كم بالطهارة كللتنا
اعلي الجمال تغار منا
ماذا عليك اذا نظرنا
كما انه من غير اللائق لسليل ملوك العبدلاب ان يجاهر بشان المراة
واجمل ما قاله بعض نقاده في غفالة لجانب المراة – بانه كان يعبر المراة من مكان
بعيد لانه سليل اسرة دينية وان هذه التربية الروحية الدينية تضع كثير من العوائق
والسدود وتفصلها عن عوالمالمراة فلا يراها الا في حدودها او بيت الزوجية الذي اسماه
شعرا (سجنا) ( او علي الرغم من انها سجينة بيتها الا ان سحرها الخلاب يتعدي ذلك
الجدران ليفعل فعله في نفسه التي لا تطول هذه المراة التي تحتل كل ذرة من دمه وكل
خفقة من قلبه) والحديث هنا المربي الجليل محمد حجاز مدثر في دراسته عن حياة وشعر
جماع ص (51) كما يستطرد حجاز قائلا ان السبب الاخر – هوو شعوره الدائم بانه ليس
وسيما وبان تسميته بادريس كانت لاثر ........ بدليل الابيات التالية:
وان تروني فلن تجدني في اسمي
انه محض صدفة للمسمي
وبرغم صاحبته في حياتي
وكذا صورتي فما انا رسمي
فالتمسني في غير رسمي واسمي
ترني باديا وتبصر وسمي
عزيزي القارئي وانا بارض الوطن الحبيب قد اسعدني القدر بمقابلة احد معاصري شاعرنا
جماع وهو يدعي محمد الفكي طه – كان منزلهم بنفس الحي لمنزل شاعرنا جماع فاستفسرته
عن حياته وسر قلة شعره في المراة واثر ذلك لرواية الراوي مسجلة كما رواها عريفض
المنكبين – واسع العينين – متنكر الشفتين – اسمرا مما لايجعله في عداد الرجال ذوي
الحسن والوسامة – ولانه فاته جمال الوجه فلم تغنه انسانية الروح وشفايفها رقة
الشعور وصفائه وعزة النفس واريحيتها – والتي يلفت به حد الزهول والاضطراب في اواخر
ايامه .
كنت اسكن في نفس الحي بحلفاية الملوك – وكان عمري يتسربل ما
بين الـ13 الـ15 – وبدا لي ذلك التاريخ شغفي بالشعر والقراءاة . فعلمت ممن حولي ان
هذا الرجل الذي يسعي بيننا هائما علي وجهه – مضطربا ذاهلا هو الشاعر ادريس جماع –
وصدقني لقد شاهدته عشرات المرات جاسر الراس ، حافي القدمين – وغالبا ما يلبس جلبابا
متسخا وكنت في صباي احب البيبسي لجدته في الظهور تلك الايام – واذكر انني ذهبت الي
البقالة لاشتريه وبعض الاغراض الاخري فتفاجئت بحضور جماع بذات المنظر حيث دخل
المتجر ولم ينطق باي كلمة غير ان التاجر هرع الي الثلاجة واحضر له زجاجة بيبسي –
فاذا به يتناولها ويدلفها في جوفه مرة واحد ثم كر ماشيا حافيا الي الشارع – فقال لي
التاجر الذي كان يعرف قيمته جيدا – اتعرف من هذا فاجبته في الحال نعم انه جماع –
ولقد لاحظت انه كان يدمن الذهاب الي الزراعة والنهر بالحلفايا مرتين اثناء اليوم
مرة في الصباح الباكر والاخري في العشاء ثم اذا قرضه الجوع او ادركه الاعياء يعود
ادراجه الي المنزل ليرتاح وياكل – كما اذكر انني ذهبت لمنزلهم ليحادث اخته زينب
فاعرف المزيد من المعلومات عنه كانسان فلقد قرات ديوانه لحظات باقية واعجبت اعجابا
شديدا ولايزال هذا الديوان موجود بحوزتي وتتشرف به ارفف مكتبتي – فقلت لها حدثيني
عن بعض احواله يازينب قروت لي هذه الواقعة: انه عاد في الظهيرة في احد الايام بعد
تجواله الباكر في مراعي الحلفايا ونهرها – عاد جائعا فاحشرت له كسرة وملاح خضرة
مفروكة – وضعتها امامه في الصينية وذهبت لاحضر له ماء الشب فاذا بشاة من الغنم
تهجم علي الصحن وتلتهم الكسرة المملحة – فطردتها وضربتها علي ظهرها فرفع جماع بكلتا
يديه ونهاني عن ضربها فوقفت – فاذا به يتركها تاكل الي ان تشبع – ثم ياكل هو البقية
المتبقية من الصحن – وهكذا كان جماع . فاسترسلت بخيالي الي المدي والعمق الذي يمكن
ان تصله انسانية هذا النبي ادم عجب ان صاحبة الزهول والاضطراب في حياته وهو بهذه
الرقة يبلغ منتهي هذه الواقعة ان اعرف لمن اكثر فسالت بعض كبار السن من قاطني
الحلفايا عن سر ازمته واصل معاناته فاجابوني بانه وقع اسيرا في حب احدي قريباته –
فسالتهم عن اسمها علني اشاهدها وبالفعل وعندما اخبروني عرفت من هي فوجدت كامل العذر
لشاعرنا المسكين – لقد كانت حبيبته هذه غاية في الجمال لونها بلون البرتقالة –
فارعة الطول – هيفاء – ممشوقة القوام ووجهها يتحلي بشلوخ ام اشهد مثيلها في حياتي –
فاحمة الشعر وبنظرة واحدة منك الي وجهها الاسر الجميل لابد ان تقع اسيرا لدعج
عينيها . حقيقة هي مرآة ولاتزال تحيا بالحلفايا الي الان وقيل ان جماع بهذا الحب
الذي ملك عليه شقاق قلبه اراد ان يطور فيه من مكانته الاجتماعية وكانت امنية
الاماني بالنسبة اليه دراسة الاداب ليتخرج بتفوق – وبينما هو في غربته هذي ينافخ
ظروف الحياة ويقبل علي الاداب والمعارف ينهم جاءه الخبر الاليم بان حبيبته هذي قد
زفت لتاجر من تجار الجزيرة – وقد رحلت الي ربوع الجزيرة وعاشت جل عمرها لاسرتها
هناك ولم تعد لحلفاية الملوك الا بعد ان توفي هذا الزوج وفي هذه المرحلة كتب قصيدته
(انت السماء) واعطاها لسيد خليفة الذي كان يدرس ....... بالقاهرة وعاد جماع الي
الوطن منكسر النفس وعزف عن الزواج . وادمن التدريس بالمراحل الثانوية – كثر حساده
وكائدوه – فعمل بالمرحلة الوسطي ولم يترقي ما زاد الامر سوء – وكان ذلك سببا رئيسيا
في شروده واظطرابه – لانه رغم وفائه لوطنه حيث دفع ضريبة المنحة حصصا وتدريسا
وبلاءا حسنا يشهد عليه تلامذته وطلابه الا كيد زملائه وزواج محبوبته الوحيدة مع
كلامه شفافية ورقة وحساسيته الشديدة كانت العامل الاساسي فيما حدث له باواخر ايامه
فشرد قرير العين الي المراعي والحقول وضفاف النهر – واعتقد ان قصيدة نومة الراعي
التي كتبها لراعي صغير في الحلفايا عندما وجده نائما
قرير العين هانيئها والغنم حوله ترعي – وبهدوء شديد – كتب هذه القصيدة مطئنا للقدر
في مرقد كانت به الاحلام مشرقة الصور
للنوم قد اسلمت راسك
سال الشعاع من الغصون علي جبينك وانحدر
اغنامك المرحات تقفز في الروابي والحفر
واذا صحوت عمدت للهو البسيط السمر
مزمارك المسحور ينفث ما بنفسك من اثر
هي كل همك في الحياة وكل ما لك من فكر
هو عالم من حسنه يوحي الجمال المبتكر