|
www.yarranile.com |
2009-12-20 |
مـركز عبـد الكـريم ميـرغني الثقـافي
جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي
المؤتمر العلمي للرواية – الدورة السابعة (2008-2009م)
محـاولة في نقـد النقـد
قراءة في كتاب: الرواية السودانية الحديثة
دراسة نقدية تحليلية من 1940- 1975م
لـ د. بابكر الامين الدرديرى
إعداد مصطفي محمد أحمد الصاوي
قراءة في كتاب: الرواية السودانية الحديثة
(دراسة نقدية تحليلية من عام 1940-1975م)
تمهيد
هذه الورقة محاولة في (نقد النقد)، وتم إختيار كتاب الدكتور (بابكر الأمين
الدرديرى)(1) بإعتباره كتاباً رائداً في النقد الروائي إذ حفر في أرض بكر، غير
ممهده، ونال به درجة الدكتوراه عام 1975م. من جانب آخر أخذ الكتاب منهجاً إجتماعياً
طالما نحن في هذا المؤتمر الروائي بصدد مقاربة النقد الروائي وتجلياته يجدر بنا
الوقوف إزاء هذا الكتاب والنظر فيه ومحاولة الإحاطة به لتقديم صورة دقيقة عن
الممارسة النقدية حول الرواية السودانية.
2/
نقد النقد المصطلح والمفهوم:-
تشير العديد من الدراسات الى أن مصطلح (نقد النقد) مصطلح حديث الميلاد نسبياً وهو
(خطاب واصف للنقد، إنه خطاب يجعل من النصوص النقدية مدار إشتغاله)(2) وفي هذا
السياق يقول رولان بارث "يتحدث الروائي أو الشاعر عن أشياء وظواهر سواء كانت خيالية
أو حقيقية... إن العالم موجود، والكاتب يتكلم هذا هو الأدب، اما هدف النقد فمختلف
جداً فهو لا يتعامل مع العالم بل الصياغات اللغوية التي قام بها الآخرون إنه خطاب
على خطاب إنه لغة ثانية أو لغة ماورائية كما يقول المنطق"(3)
بتفكيك الشاهد نخلص الى مايلي:-
·
تعتبر لغة الابداع لغة أولي.
·
لغة النقد التى تشتغل على الإبداع (لغة ثانية).
·
لغة تشتغل على نقد النقد (لغة ثالثة).
والأمر بالنسبة لنقد النقد غاية في التعقيد لأنه (يتضمن عنصرين مختلفين أولهما
النقد الادبي في مستوييه النظري والتطبيقي، وثانيهما الأعمال الأدبية)(4). وفي
السودان إسهامات عديدة لنقاد مارسوا الكتابة في نقد النقد منهم الشوش حينما كتب عن
حمزة الملك طمبل، وعز الدين الأمين في رصده لطلائع النقد الأدبي في السودان،
ومراجعات عبد القدوس الخاتم لمؤلفات الشوش، وعبد الهادي الصديق، ومحمد المكي
ابراهيم وكذلك كتاب يوسف نور عوض الموسوم بـ (الطيب صالح من منظور النقد البنيوى)
وجل الأمثلة المشار آنفاً إليها أولت إهتمامها الاتجاهات النقدية السائدة راصدة
جدواها ودقتها، أو موضحة مواطن القصور فيها وبين هذا وذاك اقترحت بدائل للمنهج أو
النظريات ورصدت الممارسة النقدية وبهذا فنقد النقد عملية حوارية لها بعدها النظرى،
وبعدها التطبيقي، ولأنه يتسم بالتعقيدات وتباين وجهات النظروإشكاليات التلقي وتعدد
مجالاته وتداخله مع حقول مرجعية مثل: النص الابداعي، والنقد الأدبي، ونقد النقد،
وتنظير النقد، إضافة الى شبكة علاقات واسعة مع حقول أخرى مرجعية نقدية، أو علمية
مجاورة- يصير- الخوض فيه مغامرة لذا كان لا بد من المحاولة في بحر محفوف بالمخاطر
والمحاذير.
3/
دراسة تطبيقية لكتاب: الرواية السودانية الحديثة، دراسة نقدية تحليلية من عام
1940-1975م
·
وصف عام للكتاب:
·
تضمن الكتاب مقدمة، وخاتمة بينهما ثلاثة أبواب
·
الباب الاول (عوامل مؤثرة في نشأة الرواية)
الفصل الأول: تفاعل العوامل المحلية مع العوامل الوافدة
الفصل الثاني: بداية ظهور الرواية
·
الباب الثاني: الرواية تطورها وأغراضها واتجاهاتها
الفصل الاول: المراحل التي مرت بها الرواية
الفصل الثاني: عناصر الرواية وأغراضها
الفصل الثالث: اتجاهات في أساليب الرواية
·
الباب الثالث: دراسة تطبيقية على أعمال أهم الروائيين
الفصل الاول: الطيب صالح ورواياته
الفصل الثاني: 1- ابوبكر خالد
2- ابراهيم إسحاق
العناوين
·
بالنظر الى المشروع النقدي التأسيس (الريادة) نلج الى هذا الكتاب، بداية بالعنوان،
والاخير وبشكل عام داخلي أم خارجي العتبات النصية المهمة وخاصة لكون الكتاب دراسة
أكاديمية أصلاً يحيل الى:
·
استخدام عنوان رئيسي (الرواية السودانية الحديثة)
وكذلك عنوان فرعي يحدد منهج الدراسة (نقدي تحليلي)، ويضيف بعداً تاريخياً
(1940-1975).
·
وتجئ العناوين الداخلية بمقوماتها داخل الكتاب محددة مستويات التحليل وآفاقه في ضوء
التنظيم الذي أرتضاه (أبواب وفصول، مشير في ذات الوقت الى الممارسة النقدية الجمع
بين التنظير والتطبيق)، إضافة لتأثيرها على المتلقي مثلاً العنوان الداخلي للباب
الثالث (دراسة تطبيقية على أعمال أهم الروائيين) ومن ثم تسميتهم يحيل الي نوع من
المفاضلة والتمييز. وكذلك اتساقها مع العنوان الرئيسي، والعنوان الفرعي الشارح
والسؤال المهم هنا هل استطاع العنوان الرئيسي بتكوينه الواسع الفضفاض أن يلم
الموضوع المطروح ويجنبه التبعثر والشتات؟
·
الأهداف:
حصر الكاتب الهدف من دراسته في النقاط التالية:
-
علاقة الرواية بالمجتمع الذي أخذ يتشكل نحوالحداثة.
-
ارتباط نشأة الرواية بالسودان بعوامل مختلفة داخلية وخارجية(استخدم مصطلح وافده)
معولاً على السياسي والاجتماعي.
-
التركيز على دراسة الرواية من منظور تاريخي تطورى (البدايات- التطور - المراحل) .
-
معالجة موضوعاتها ، وتياراتها الأدبية.
المتن:
لم يقيد الكاتب نفسه في المقدمة بالإشارة الى روايات المتن، ومعايير اختيارها، لكنه
أثبت هذه الروايات في المصادر (29)نصاً بما فيها النصوص التي أعتبرها الأهم.
بولوج الكاتب يتبين للقارئ أن ثمة متن واسع فيه:
·
الحكاية الشعبية
·
مسرحيات(أطلق عليها روايات) وهي جنس أدبي غير الرواية.
·
متن وضعه في باب الأهمية (صالح، أبوبكر خالد، ابراهيم اسحاق).
·
متن فرعي ضم بقية ال (26) رواية.
أما متن الحكايات الشعبية فمسوغات وجوده باعتبار البحث عن جذور الرواية في الثقافة
السودانية كما أشار في المقدمة " فعناصر التسلية والتشويق كانت توجد أصلاً في
بدايات الرواية الشعبية والسير، وحكايات الخرافة والأساطير" ورصد تأثيرها في
الروايات التي كانت تهدف الى تقوية الوعي القومي والوطني.
·
أما المتن الفرعي فقد وزعه على باقي الدراسة في شغل تعليقات سريعة على العمل بعد
إعادة سرد أحداثه والاشارة الى بعض الشخصيات. وعبر عن ذلك المتن بأجزائه المختلفة
يتضح تعويل الكاتب على تلك النصوص التي قرأ فيها الواقع الإجتماعي قراءة انعكاسية
"فالرواية تفسر لنا الواقع وتصوره بأسلوب نعجز عن إدراكه وحدنا من واقع الحياة"
الممارسات النقدية:
استحضر الكاتب كل المحاور الأساسية التي منها تصوره المنهجي فى المقدمة، وفي مدخل
كل باب. ولكن اختلف حضور الروايات قيد المتن. كماً وكيفاً- في هذه الأبواب ويمكن
الإشارة الى تجليات المتن الروائي في الابواب على النحو التالي.
·
إعادة قراءة النصوص الشعبية في الفصل الأول(حكاية فاطمة السمحة)و (حكاية ود النمر)
و (حس يانايم).
·
الرصد التاريخي لبداية ظهور الرواية (رواية تاجوج لمحمد عثمان هاشم)و (هائم على
الارض لبدوى عبد القادر).
·
وضع عناوين تصنيفية مذاهب أدبية للروايات (رومانسي، واقعي، رومانسي واقعي).
·
التعويل على مضامين الروايات
1-
الموضوعات السياسية 2- الموضوعات الإجتماعية 3- مشاكل الحب والعاطفة
·
أما بصدد الوصف وهو أحد مظاهر الممارسة النقدية ونتقصى هنا النصوص قيد الدراسة
وكيفية وصفها:
أ/ أهم جانب يغلب في وصف الروايات في المتن هو تقديم الشخصيات، ذلك التقديم تضمن
تعريفاً بأغلب الشخصيات الروائية مع الإشارة الى دورها في الرواية من ذلك:
·
"وشخصية حاجي ابن القرية وهو ود حوه بنت مختار، وفلقة السمكرى الوافد من المدينة
الذي لا يعرف له أب ولا أم".
·
"وشخصية "سيد" تعكس الدور الذي يقوم به الشباب المنتمي سياسياً وهو شيوعي نشط
ومجاهر بذلك".
·
"كانت شخصية فتحيه منذ بداية الرواية واضحة الملامح ، لا تعقد في سلوكها فهي ثائرة
تعمل بجد وتفاني في خدمة حزبها".
·
"ونظره عامة الى شخصيات الطيب صالح – الرئيسية والثانوية توضح مدى البراعة التي
يرسم بها الطيب شخصياته ويتضح ذلك في التسمية التى تعكس دورها في الرواية وسيرتها
في الحياة "
وهناك جوانب وصفية أخرى تتعلق بالبناء الفني للرواية غابت عن التحليل مثل الزمن،
والمكان، بل والسرد ، وحتى العلاقات الداخلية التي تقوم بين الشخصيات هي الأخرى
غائبة. هذا الغياب مرده تعويل الكاتب على دلالة الرواية بالنسبة للواقع.
المُصطلحات (مُصطلحات نقد الرواية)
المصطلحات التي تتعلق بالنقد الروائي في هذا الكتاب محدودة، وتواترها قليل ومنها:
·
الشخصية الرئيسية.
·
الشخصية الثانوية.
·
العقدة.
·
الرواية بمفهومها العام (لم يحدد مفهوم الرواية) بل وظيفته.
·
استخدام مصطلح (رواية) للمسرحية وإدماجها.
في سياق التصور العام للرواية.
·
طريقة المعالجة القصصية.
إن الاقتضاب الذي يرد في الوصف في هذه الدراسة، وكذلك الاستخدام المحدود للمصطلحات
في التحليل، ربما يكمن في أن أهداف الدراسة لم تشر إلى البناء الفني ومعالجته،
وربما لتعويله على المداخل التاريخية ولاجتماعية أكثر من الفنية، على الرغم من أن
قائمة المراجع تضمنت كتب مثل: بناء الرواية لأدون موين ونحو رواية جديدة لآن روب
وغيرهم .
·
ماسبق يقود للحديث عن مدي اهتمام الكاتب بالتحليل الجمالي لنصوص المتن التي
أختارها، ويتضح مما كتب أن البعد الجمالي
لنصوص الروايات يجئ عنده بمثابة العمل الثانوي وذلك لضيق الحجم المخصص لكل
رواية في التحليل النصى التي أعتبرها أكثر أهمية ظل مشدوداً على المضمون أكثر، وإلى
السياق الاجتماعي والسياسي دون الالتفات إلى النسق الجمالي إلا من أحكام
القيمة مثل (ينفرد الطيب صالح بأسلوب روائي متميز في رسم شخصياته) وكذلك (إن
الغموض الذي يصاحب معظم تحركات شخصياته مع تكرار المواقف والصور يشكلان عبئاً آخر
في فن إبراهيم إسحاق)، وكثرة أحكام القيمة مؤشر من مؤشرات خفوت الموضوعية في دراسة
الفن الروائي.
استنتاجات:
·
هذه دراسة رائدة لأنها حضرت في أرض بكرة غير ممهدة، عد الإسهامات المصرية في نقد
الرواية بالسودان لذا اكتسبت أهميتها في ظل سياقها التاريخي.
·
للدراسة (أهميتها خاصة) الإشارات إلى نصوص روائية لم تنشر حتى الآن مثل رواية
(الأعواد الخضر).
·
غلب على الدراسة البعد التاريخي، والميل إلى التحليل الاجتماعي، مما نتج عنه غياب
وحضور المؤلف على مستوى التحليل، والنقص الواضح في الحفر لتبيان الأعمال الروائية،
والتعويل على المضمون، ورصد الاتجاه الأدبي.
·
الربط الآلي بين الواقع والعمل الفني والنظر لرواية على اعتبارها عاكسة للواقع.
·
الدراسة خلطت بين مصطلح الرواية والمسرحية.
·
الدراسة واضحة الخطوات من حيث الأهداف والنتائج وكانت فعَّالة في مردودها على مستوى
التوثيق، وبيانات النصوص الرواية مقبول وإن افتقرت لدقة تحديد المصطلحات على قلتها.
أخيـراً:
·
حاولت
الورقة قراءة عمل رائد وسعت أن تلتزم بالحياد المبدئي، واحترام خيار الكاتب في
تحديد منهجه وتوظيف ما توفر من معارف عن ذاك المنهج وتقصيه على المستوى النظرى
والتطبيقي وليس في زعمنا أن معرفة ناقد النقد نفوق معرفة الناقد، ولكنا قصدنا
الحوار ومن يزعم بكل المعرفة يضحى طموحه شقي، ويبقي كتاب د. بابكر الأمين الدرديري
كتاباً رائداً ضمن الكتب التي استهدفت النقد الروائي في السودان، ويظل في انتظار
مزيد من الدراسات.
إحالات:
1-
بابكر الأمين الدرديري: الرواية السودانية الحديثة، دراسة نقدية تحليلية من عام
1940-1975م، دون ذكر لدار النشر 2007.
2-
نقد النقد، في المفهوم والمقارنة المنهجية، مقال لـ(محمد ميرغني)، مجلة علامات في
النقد ، المجلد16، جزء 64 فبراير 2008، ص40.
3-
سابق ص 41.
4-
نقد النقد أم المتيانقد، محاولة في تأصيل المفهوم، مقال لـ (باقر جاسم محمد)، عالم
الفكر، عدد3 ، مجلد 37، يناير/ مارس 2009 ، ص118