|
www.yarranile.com |
2009-12-20 |
مساهمات
النقد
الأكاديمي
في
السودان :
عز الدين
الأمين
نموذجاً

بروفيسور محمد المهدي بشرى
أكتوبر 2009
بسم الله
الرحمن الرحيم
على الرغم
من مساهمات
الأكاديميين في
الإبداع عامة
والنقد خاصة، الا
أن هذه المساهمات لم تجد
ما تستحقه من إهتمام
ودراسة الا
فيما ندر.
وفي كثير من المرات ينظر لهذه
المساهمات نظرة
عدم احترام وتقدير
، بل أن هناك
من صرح بفكرة موت
النقد
المدرسي ،
مثل محمد جيلاني
في كلمته
" ما بعد الأحزان:
تكملة الطيب
صالح
أم
استمراره" المنشورة
في صحيفة الأحداث
بتاريخ 29/9/2009. ونجد جيلاني يقول "
ثم جاء من يقول
إن
السينما كثفت
تكسير الزمن والاسترجاع كما عند أصحاب مدارس
التداعي الحر ، وذلك بعد
موت
مدرسة البحث
المدرسي في مراجع
الطيب النفسية
والاجتماعية
وسيرة
الكاتب، وسيرة
البطل ، و هلكت
هذه المدرسة وهرب عرابوها
بعيداً "
(نفسه).
وعلى
الرغم من
أن الجيلاني
يتحدث عن
النقد الذي درس
إبداع
الطيب صالح
الا أنه أوضح بجلاء جملة الموقف تجاه النقد
الأكاديمي، ولو
تجاوزنا
العمومية التي يتحدث
بها
جيلاتي لا
يمكن تجاوز
القاء
التهم
والأحكام
جزافاً، ولا
نحتاج للإشارة
في صدد
النقد الأكاديمي الذي درس إبداع
الطيب صالح
الى
العديد من
المساهمات الجيدة
التي أضاءت
هذا الإبداع
وأعطته
ما يستحق، من هذه النماذج
دراسات علي عبدالله عباس الرائدة وقد نشرت بالإنجليزية في مجلة
السودان في رسائل ومدونات ، حيث نشرت
الدراسة الأولى في العدد الخامس والخمسين (عباس:1974) والثانية في العدد
الستين (عباس:1979) وله كذلك دراسة ثالثة نشرت في الكتاب الذي
خصص لرواية
موسم الهجرة
الى الشمال الصادر عن الجامعة الأمريكية في بيروت
وقدمت له
منى
أميوني ( أميوني:1985 ) ، وننبه هنا الى أن علي عباس هو
أول من
انتبه الى فرضية
إن الراوي
وليس مصطفى
سعيد
هو بطل الرواية.
كذلك لابد
من
الإشارة الى مساهمة
مميزة هنا وهي دراسة
الخانجي وقد صدرت في كتاب بعنوان
قراءة جديدة في روايات
الطيب صالح (خانجي:
1985)
وقد
استخدم
الخانجي منهجاً
نقدياً صارماً استطاع به قراءة إبداع
الطيب
صالح بعمق ورصانة.
وقد توفر واحد من طلاب
عزالدين الأمين
على
إعداد
وجمع
مساهماته
طوال نصف قرن وصدرت في مؤلف بعنوان عز الدين الأمين : عميد النقد الأدبي في
السودان ( التوم : 2005) ، يقول
الكاتب في
مقدمة
الكتاب "إننا نوثق الآن لرجل
فضله علينا
كثير
فهو من
رواد الأدب والنقد في بلادنا لا يستطيع أي دارس تجاوزه كما لايستطيع أي مفكر إنكار
فضله على
الأدب والنقد في السودان ، فكتبه العديدة واسهاماته
المتواصلة
للنهوض بالحياة الفكرية والأدبية في السودان (...) تقف كلها شاهداً
على
المكانة
السامقة لهذا الرجل "
(نفسه:3) ويؤكد المؤلف أن الأمين هو أول طالب سوداني أعد أطروحة أكاديمية
في مصر وقد درس
على يد
جيل من
الأساتذة منهم أحمد
الشايب
وعمر الدسوقي وعلى الحضري (نفسه:21) وقد
انتبه
المؤلف
الى كدح
الأمين في مجال
النقد
الذي ظل ضالته لأكثر من
نصف قرن ، يقول المؤلف " لقد توسع عز الدين الأمين في النقد وهذه
خاصية
انفرد بها وتحسب له ،
وذلك أنه يطرق الفكرة ويؤلف فيها ثم يعود اليها مرة أخرى
فيضيف
اليها
ويتوسع فيها
حسب ما جاد به إطلاعه وتوافرت لديه من معلومات إضافية."
(نفسه:223). و قد إنتبه التوم
لأمر هام في مساهمات
الأمين على تنوعها وغزارتها
وذلك هو الخيط الذي يربطها
ويجعلها جميعاً تدور حول فكرة جوهرية وهي نظرية
الفن
المتجدد
التي ظلت المشعل الذي يهتدي به في
دأبه
على سبر غور النص الإبداعي ، شعراً كان أو سرداً ، يقول التوم " وعلى ذلك
يمكن
أن نعتبر (طلائع
النقد ) و
(مسائل في النقد) امتداداً لكتابه
( نشأة النقد في مصر)
وكتاب ( النقد الفني عند العرب
) امتداداً لكل ذلك (.....)
أما نظرية
الفن المتجدد
فهي استقراء
لكل ما
وقف عليه
من
أدب ونقد."
نفسه:224).
ولعل من أهم إضافات
كتاب التوم هي رصده لأصداء نظرية الفن
المتجدد
التي وجدت قبولاً وترحيباً لدى بعض الأكاديميين مثل جمال
الدين الرمادي والأستاذ سباعي أحمد عثمان وصلاح الدين المليك،
فمثلاً الرمادي يقول عن النظرية " وإنها لنظرية
تدعو الى كثير من
التأمل
والتقدير،
كما
إنها
جديرة بكل
إعجاب وتبجيل ، و تدل على
أن هناك
أدباء حريصين على التراث العربي حرصاً كبيراً ويؤمنون بأن كنوز
العربية يجب أن تبقى
خالدة ولا تعبث بها يد الضياع." (نفسه:239) وفي جانب آخر
يقول
زميل الأمين
ومعاصره المليك " ولقد وفق المؤلف في اختيار
أمثلته توفيقا معجباً [هكذا]
يدل على الإحاطة ودافع
عن أمثلته
وحججه في منطق قوي ترتبه عباره
رصينة.
(نفسه:258).
وقد لاحظ بابكر البدوي دوشين الإهمال والتجاهل الذي
وصل درجة الحيف بحق عز الدين الأمين وجهده الأكاديمي وهذا مما اورده حسن
صالح التوم في مؤلفه المشار اليه (الأمين:2005) يقول دوشين " ولقد المني أن أرى
تجاهلاً أو
جهلاً بمكانة
الأستاذ
عز الدين في الأدب العربي والثقافة
بصفة عامة ومكانته في النقد بصفة خاصة." (نفسه:286).
أصدر عز الدين الأمين
أربعة مؤلفات
عالجت النقد ،
أثنان
منهما للنقد
النظري
هما
نظرية
الفن المتجدد
وتطبيقها على
الشعر ( الأمين:1971) و
نقد الشعر في السودان (الأمين:1999) أما ثالثها فهو
الملامح
الفنية في
نقد العرب ( الأمين:2008 ) .
ومما
يجدر ذكره أن مؤلفه نظرية الفن
المتجدد
صدر في طبعته الأولى عام 1959 ، وبذا
يكون
عز الدين
الأمين قد
ظل
يرفد
النقد الأدبي قرابة
النصف قرن
. وقد سعي لاستنباط نظرية نقدية حديثة
تستجيب لما حدث من
تطور في
حركة
الشعر ، وهو يوضح لنا
الحاجة لهذه
النظرية قائلاً
" إن
التطور والتجديد هما من طبيعة الحياة السليمة من غير شك.... والأداب الحية ينبغي أن
تتبع الحياة في ذلك كله من غير جهود أو تخلف. وقد دعاني هذا الأمر إن أنظر في أدبنا
العربي نظرة أردت بها
أن أكشف
طريقه ، وأن أتبين سننه في هذا التطور
وذاك
التجديد. فكان أن
انتبهنا الى أنه يجب – في
رأيي _
أن يسير على غرار
نظرية اهتديت
اليها وأسميتها نظرية الفن المتجدد (الأمين:1971-10). وهو
يذهب الى
أن
نظريته
تقوم على
أمرين "
أولهما إبقاء الفن
، وثانيهما
التجدد المطرد له. والأدب العربي فن كسائر
الفنون، وحين تطابق بينه
وبين هذه النظرية ، يمكننا
أنن جعل
أمرها واضحاً
إذا ما لجأنا للموشحات مثلاً. فإبقاء الفن
يعني المحافظة على أصوله الرئيسية
حتى
يظل حياً دون
أن نقضي عليه."
(نفسه:11)
ويمضي الأمين في شرح نظريته وتطبيقها
على الشعر
الحديث الذي يطلق عليه مصطلح " شعر التفعليه" فهو يقول " ها
نحن أولاء في القسم الثاني نحاول تطبيق
هذه النظرية على
فن
الشعر العربي، وقد
رأينا
أن نسمي الشعر
الذي
يسير على هديها بالشعر المتجدد
ثم وازنا
بينه
وبين الشعر الحديث
الذي رأينا أن
نسميه
شعر
التفعيلة "
(نفسه:21). وهذه النظرية المبتكرة
تفرق بين الشعر المتجدد
وشعر التفعيلة، وحسب النظرية فإن
مصطلح
(حديث) ينطوي على قدر من التضليل، يقول الأمين " والحق إن إطلاق كلمة حديث على
نوع خاص من الشعر فيها استئثار
بالكلمة
وتضييق لمدلولها، لأن الكلمة في معناها
اللغوي تدل على
ماهو حديث .
(نفسه(24)
ولا نملك
الا أن نتفق مع ماذهب
اليه الأمين، فكلمة
حديث نسبية خاصة إذا
ما اقترنت
بفكرة
العصر، فشعر
التجاني يوسف
بشير
مثلاً كان
من الشعر الحديث ،
والآن وقد مضى أكثر من نصف قرن على هذه
الشعر، فهل
يمكن وصفه بالحداثة
اعتماداً على مفهوم
العصر وحده. في واقع الأمر
إن شعر التجاني
سيظل على حداثته مهما تعاقبت السنون
والأيام. على كل
لقد درس الأمين
ظاهرة
ما يسمى
بالشعر الحديث بإفاضة
وخلص الى
ما أسماه
باضطراب
فكر
مناصريه وذلك
حين يقول
" إنه من
الغريب أن تجد أصحاب
الشعر الحديث مضطربين في تحديد
أصول
شعرهم
هذا. فلو قلت
لهم إنه
شعر ملتزم
لأن
مذهبه
الذي يستمد منه مذهب ملتزم (..) لو
قلت لهم ذلك تبرأ منه فريق
وأصر
فريق آخر
على
التزامه." (نفسه:35)
تساءل
الأمين عن
الشعر القديم وذكر أن الكثير من
الوشائج
تربط
بين
النمطين من
الشعر ، نلمس هذا
في "
وإنني هنا بالنسبة
لخصائص
الشعر الحديث التي ذكرتها
قريباً ، لأقول
برغم أنها أضحت خصائص
لهذا الشعر ، الا
أن نواة
كثيرة منها موجودة في الشعر القديم،
ممايدل
على أن
الشعر العمودي لا تأبى طبيعته هذه الخصائص، ولا تصطدم بشكله ، بل
هو
مجال صالح لها."
(نفسه:43).
وانتبه
الأمين الى
أن ما يتباهى به أنصار الشعر الحديث من علاقة هذا الشعر بالتراث خاصة
الأسطورة يتوفر في الشعر القديم ، يقول الأمين "
أما الاستمداد
من الأساطين ، فقد
اشتهر به
أمية بن أبي الصلت
في العصر الجاهلي فيما
روى عنه
الرواة ، ولكن الكثير من شعره قد ضاع ، ولم يبق منه
الا
القليل."
(نفسه:47) . وهكذا
ظل الأمين
يواصل
أطروحته بأسانيد قوية وحجة واضحة ودون عصبية، وهو
يقف مع
أنصار الشعر
الحديث
في بعض وجهات نظرهم مثل الإنحياز للنحت وليس
التعريب ، ونجده يقول صراحة
" ومجمل القول
إني أفضل الاشتقاق والنحت على التعريب ،
لأنها
أقرب الى
الفصاحة
العربية." (نفسه:59).
ويذهب الأمين الى
أن
الشعر العربي ظل
يشهد
حركات التجديد
بين الفينة والأخرى، ويضرب
مثلاً بظهور الموشحات
قائلاً
" ومن أعظم
التجديد الذي حدث في الشعر العربي هو
أيجاد فن
الموشحات ، وهي خير مثل نضربه هنا
لنوع التجديد
الذي
يلائم الذوق العربي ،
ويلائم
فن
الشعر
العربي من
ناحية عامة."
(نفسه:89) لكن الأمين وبموضوعية
تامة يشير
الى أن تجديد
الموشحات
كان تجديداً في الشكل فحسب ،
ولم يتجاوزه للمضمون، أذ بقي مضمون
الشعر
كما كان عليه من
قبل
في
الموضوعات والمعاني."
(نفسه:89). وناقش الأمين
آراء صلاح عبد
الصبور ونازك الملائكة
حول الشعر الجديد
، ومن المعروف أنهما من
أقوى
مناصري الشعر الحديث،
وعادة ما يقال
أن نازك
الملائكة هي
رائدة الشعر الحديث وذلك حين كتبت
قصيدتها
(الكوليرا)
المنشورة
عام 1948.
نخلص للقول أن
الأمين قد أبلى بلاء حسناً
في إجلاء أطروحته وأبانها
بحجة قوية ومنطق صارم، وهو كذلك
استطاع استنباط نظريته
"الفن المتجدد "
وحرص على تطبيقها على
الشعر الحديث ولكن
من أسف لم تجد
النظرية
من يعاضدها
من
المعاصرين
ولا من
الأجيال اللاحقة
ويعمل على تطويرها وترسيخها في إطار النقد داخل وخارج
السودان،
ولهذا
ظلت
النظرية في عزلة ولم تتجاوز
كونها محض جهد فكري فردي.
والمساهمة الثانية
الهامة لناقدنا
عز الدين الأمين هي دراسته
التي تتبع فيها نقد الشعر
في السودان
منذ
بداياته
الباكرة الى
بداية الحرب العالمية
الثانية ، وقد
نشرت الدراسة في كتاب صدر عن دار
جامعة الخرطوم للنشر ( الأمين:1990) ويقدم
الأمين لكتابه قائلاً "
إن أي حركة أدبية، إذا أريدلها
أن
تنمو وتزدهر
، فلا بد
من أن تعتمد
على العناية
بالعمل الأدبي،و على توجيهه، ثم
على تقويمه من بعد." (نفسه:5) وهكذا يؤكد الأمين على أهمية دور النقد في
إثراء
الإبداع الأدبي، ونجده يرجع
بدايات
النقد الأدبي
الى
ظهور
بدايات الحكم
الثنائي
وذلك في قوله :" ولكن منذ أن
انتقل السودان
الى عهد
الحكم الثنائي
الذي
أعلنه كتشنر في الرابع
من
سبتمبر سنة 1898 (...) نقول منذ ذلك
الحين،
وبسبب عوامل عديدة ، نهض الأدب السوداني بعامة، وانتقل الى
طور
جديد من أطوار حياته،
وظهر
في ميدانه النقد
الأدبي
لأول مرة."
(نفسه:15) وذهب الأمين الى أن
عدة عوامل ساعدت على ظهور النقد
ومنها إنشاء كلية غردون التي كان
لها
أثر واضح
في هذا الأمر
، يقول
الأمين "
ونعود ونشير
الى
أثر كلية غردون
القديمة في الشعر والنقد،
ونقول
إنه كان
لها في ذلك
الأثر الكبير ، فقد
تخرج في قسم معلمي اللغة
العربية و القضاة
الشرعيين
أميز شعراء تلك
الفترة." (نفسه:21). ولكن
الأمين
مع تركيزه
على
كلية غردون لا
يهمل أثر المعهد العلمي
ويذهب الى أن
التعليم
الديني ممثلاً
في المعهد
العلمي
كان له أثر كذلك في ظهور النقد،
ويقول إن هذا الأثر
يتمثل في خريجي
المعهد
العلمي ومنهم الهادي العمرابي
والتجاني يوسف بشير وكلاهما اشتغل
بالنقد (نفسه:22) ويتابع
الأمين بعد
ذلك
الدور الذي
لعبته الصحافة ويركز على مجلة الفجر
التي يعتبرها "
أهم مجلة
أدبية صدرت في السودان
حتى اليوم،
بل
تعتبر مع عمرها
القصير
مدرسة في الأدب بحق."
(نفسه:34).
ويواصل الأمين دأبه
في رصد
مساهمات
رواد
النقد في السودان
ويتوقف أمام
الأمين علي مدني (1900-1926)
ومحمود أحمد محجوب (1908 – 1976)
ويخلص
الأمين
الى أن نقد الرواد في مجمله أقرب ما يكون الى النقد في مرحلة اوذلك حين يقول : "
ومثل هذه المرحلة نشبه مرحلة النقد في
الجاهلية وما بعدها قبل
أن
ينضح العقل
العلمي ، إذ
كان الحكم
على الأدب في أساسه يقوم على الفطرة والسليقة والذوق، ثم بدأ
شيئاً
فشيئاً يعتمد على المقاييس النقدية
حتى ظهر النقد
المنهجي بصورة علمية واضحة في القرن
الرابع الهجري
، ممثلاً في نقد
الأموي والقاضي الجرجاني ."
(نفسه:74) . ويخلص الأمين
الى
أن
اتجاهات رواد
النقد في السودان حمل العديد من المعايير ،
منها
" أن تكون
للأدب بعامة رسالة في الحياة
(....) ضرورة
التجديد في المعاني ووضوحها، والبعد بها عن تقليد
الأقدمين والسرقة
(...)
[و] بوادر الدعوة لاكتشاف
أوزان
جديدة دون
مناداة بالتحرر
من
الأوزان
القديمة." (نفسه:141).
ويختم الأمين القسم الأول من دراسته بإشارة الى معايير
نقد الشعر عند معاوية نور ولكن
الأمين يتحفظ في نسبة
مساهمات
معاوية الى النقد
السوداني ، يقول
الأمين :
"وإذا لم نشأ أن نبعد من الحديث
عن نقد الشعر، فإننا نقول
إن ما كتبه
[معاوية] لا يمثل
النقد في السودان، ولا
يمثل
حركته بل
هو في الحق يمثل
النقد
المصري ومستواه
الفني
لأنه صدر
عنه وهو مقيم في مصر." (نفسه:143) ويخلص
الأمين الى
أن
معاوية كان يستخدم المقاييس الغربية ،
وقد
تأثر بالعقاد في مسلكه في
ذلك، بل نراه
مضى
لأبعد من
هذا الطريق فتأثر بآرائه
النقدية." (نفسه:145)
وفي الباب الثاني يقف الأمين
أمام
دراسات نقاد سودانيين لشعراء
مصريين
واستهل
بنقد
محمد عشري
للمازني ، وهو يذهب
الى أن نقد
عشري يفتقر في بعض أحكامه الى الموضوعية ، يقول الأمين "
ويواصل حديثه
[عشري]
متحاملاً على
الشاعر في مبالغة
واضحة (...) ومثل
هذا النقد
القاسي يذكرنا بأسلوب المازني نفسه في النقد ، عند نقد
حافظ وعبد الرحمن شكري
وغيرهما."
(نفسه 228).
ولكن
الأمين يشير
لمناطق القوة في نقد
عشري قائلاً : وإني أقف مع الناقد
في ما أخذه على
الشاعر، من
عبارات
تنقلك
من جو الحكاية في القصيدة
الى الشاعر نفسه، بل
والى
قارئه ، ولا نجد في تلك
العبارات غير
الإطالة والحشو وذلك كبعض ما مثل
به محمد
عشري."(نفسه:239)
ويخلص الأمين في دراسته الى أن
النقد في السودان منذ بداياته وحتى الأربعينات يتمثل في ثلاثة مدارس هي:
مدرسة
النقد
العربي
الخالص التي لم
تتأثر بنقد أجنبي
إنما
كانت متأثرة بنقاد العرب
الأقدمين
كالأموي
والقاضي والجرجاني وعبد الظاهر." (نفسه:256). أما
المدرستان الأخريان حسب عز الدين الأمين فهما مدرسة
النقد
العربي المتأثرة
بالنقد
الأجنبي عن
طريق الترجمة
وتلك التي تأثرت
بالنقد
الأجنبي
باطلاعها المباشر عليه.
أما مساهمة
عز الدين
الأمين
النقدية
الثالثة فهي
تدرس الملامح
الفنية في نقد العرب
وقد صدرت
في كتاب بالعنوان
ذاته
(
الأمين:2008).ويقول إن هدفه من هذه الدراسة
رصد أطوار النقد
العربي
من الجاهلية
الى
العصر الحديث " حتى
تتضح
قيمة التراث في هذا الجانب، وهو تراث انبنى
عليه قدر
حسن
من النقد
العربي
الحديث"
(نفسه:7). و يوضح
الأمين بأنه من خلال
هذه
الدراسة
يسعى ليؤكد "
أن البوادر
الفنية ظهرت في القرن
الثالث لا قبله،
وأن
النقد
المنهجي لم
يكتمل بعد
ذلك الا في
القرن الرابع
الهجري ." (نفسه:9). ويفرد
الأمين
الباب الأول للنظر في نقد
اللغويين والنحويين
ويذهب الى أن
نقد
اللغويين افاد النقد الأدبي كثيراً
ذلك
أن هؤلاء
اللغويين في
العصر
العباسي خاصة
" كانوا يبحثون عن بنية
الالفاظ وتحديد مدلولاتها الخاصة بالشعر، كما يعنون
بالبحث في تراكيب
اللغة والشعر
وشرح معانيه، ولم
يكن نقهم اللغوي
نقد
فطرة
وسليقة،
بل كان
مبنياً على
علوم اللغة
العربية
المختلفة." (نفسه:14).
ويدلل الأمين لما
يقول
بالإشارة الى بعض
اللغويين
البصريين
والكوفيين، ومن
البصريين يذكر أبو عمرو
بن
العلاء
وخلف الأحمر
والأصمعي ومن
الكوفيين حماد
الراوية
والمفضل
وإبن الإعرابي .
وفي الفصل الثاني يدرس الأمين
أهم ملامح
النقد
النحوي قائلاً : كان من أثر
جهود اللغويين أن
انبرت
طائفة
منهم لوضع
النحو، ووجد فيه مذهبان ،
هما مذهب
أهل البصرة ومذهب
أهل الكوفة." (نفسه:27) ولاشك أن من أهم دعاة مذهب أهل البصرة
الخليل
بن أحمد وسيبويه ، ويذهب الأمين الى أن مذهب هؤلاء النحاة جميعاً
" استنباط
القواعد النحوية
والصرفية ، واستنباط
قواعد
العروض والقافية."
(نفسه:29) ويصف
الأمين نقد
النحاة
بأن
لا علاقة
تصله بالنقد
الفني وهو حسب الأمين
" نقد علمي محض" (نفسه:39)
ثم يتوقف الأمين أمام النقد
في فترة حكم
بني أمية
ويصفه
بالنقد
الأدبي ويذهب الى أن هذا
النقد في بداية العهد الأموي درس " المعاني والصياغة
والطبع
والشعور كما تناول مذاهب الشعراء ، الا أن نقد الصياغة كان
قليلاً
لأن
الشعراء في
ذلك الوقت لم يبتعدوا عن
الأسلوب العربي القوي الخالص السليم."
(نفسه: 45).
أما
الفصلان
الأخيران فقد
أفردهما المؤلف لإثنين من أهم
ثلاثة نقاد قام النقد في الأدب
العربي على أكتافهم وهم
ابن
المعتز صاحب كتاب البديع
وابن قتيبة
(213-276 هـ) وقدامة
بن جعفر (260 – 337 هـ) ويصف
الأمين
مذهب
ابن قتيبة
بالإتزان وذلك
في قوله "
ونظراً لاتزان إبن قتيبة في مذهبه ،
فقد كان يدعو في الأدب العربي
لعدم
التعصب
للقديم لقدمه
أو الحديث
لحداثته
(...)"
( نفسه :112)
وعن قدامة يقول الكاتب "
ولقدامة الفضل كذلك في دفع النقد للأخذ من
المعارف الأجنبية ،
وإن كان قد بالغ في ذلك وتجاوز
كثيراً ما
نادى
به إبن
قتيبة قبله ،
حين دعا
للإعتدال في
الأخذ خلال
التأثر بالأجنبي."
(نفسه:136).
في كتابه
تراث
الشعر
السوداني
يرصد عز
الدين الأمين
تطور حركة
الشعر السوداني
منذ الفونج وحتى
فترة
المهدية (
الأمين:
1999) وهكذا
يغطي فترة
تبدأ بنهاية المهدية
1898
أي ما
قارب الثمانية عقود،
ونلاحظ أن
الأمين قد توقف
عند فترة دخول الاستعمار
في السودان إذ
قضى الاستعمار على
المشروع المهدوي في معركة كرري عام
1898، وهو يذهب الى
أن بدايات
الشعر الفصيح
في السودان ترجع الى فترة الفونج ،
نلمس هذا في قوله "
إن شعر الفونج لا يقتضي منا الإطالة فيه
أو التفصيل، فهو لا يتعدى أن
يكون
نواة للشعر السوداني
الفصيح
الذي
استوى على سوقه فيما بعد."
(نفسه:63).
وعن
الشعر في العصر التركي
يقول الأمين
أن
هذا
الشعر" إرتفع
في مستواه عن
شعر العصر
السابق، فتحققت فيه لحدٍ كبيرٍ
سلامة
اللغة
وصحة التراكيب، وارتقى
عن سابقه
من
حيث البراعة والفكرة،
واتسم في مجمله باستقامة
الموسيقا وإن لم يخل بعضه
من إضطراب
فيها."
(نفسه:79). ويذهب الأمين
الى
أن الشعر
السوداني في المهدية
سخر
في أغلبه
للدعوة
للمشروع الوطني والثورة، فهو يقول " ومن
الواضح أن
شعر
المهدية كان شعراً
ذاتياً
كشأن الشعر الذي
سبقه
فلم يتعمد
الشعراء أن يتجهوا
به نحو المجتمع ليصوروه ، أو ليكون
لشعرهم أثر في
حياته الا
من ناحية
الدعوة
المهدية كما بينا. وهذا
الشعر المؤيد للمهدية
هو في حقيقته ذاتي إجتماعي."
(نفسه:118)
ويذهب الأمين الى أن هذا الشعر يشكل
استجابة طبيعية
للواقع الجديد
، نلمس هذا في قوله
" وليس من
غرابة في ذلك ، فالفترة
الأولى
في المهدية كانت فترة حروب
وجهاد في سبيل الاستقلال، وفي
سبيل
إقامة
الدولة الإسلامية،
ولذا فقد
وجد
شعر يلائم
طبيعة تلك
الفترة."
(نفسه: 119).
أما في كتابه نشأة النقد
الأدبي
الحديث
في مصر ، فنجده
يتتبع حركة
النقد
في مصر
منذ مطلع
القرن
التاسع
عشر الميلادي،
ثم يدرس
جذور هذا النقد ويتوقف أمام
مساهمات
أهم النقاد مثل العقاد وطه حسين
والمازني
وزكي مبارك
(الأمين: 96).
ويستهل دراسته بالحديث عن اهمية النقد قائلا "لا ينكر أحد ما للنقد
الأدبي من
نشاط ملحوظ
في تاريخ الأدب العربي
الحديث ، فإنه يشغل أقلام
الكتاب
من
طلعة هذه النهضة
الحديثة الى اليوم
- بل لعله
قد سبق الأدب الإنشائي نفسه،
حتى أننا لنرى
مذاهب نقدية قائمة
تريد أن تتسلط على
أدب لم ينشأ بعد. والا
فما معنى الكلاسيكية
والواقعية (...)
الى غيرها من
المذاهب في نقدنا
المعاصر
في حين أن أدبنا الإنشائي
لا يكاد يعرف من هذه المذاهب الا نتفاً
صغيرة وقدراً
يسيراً."
(نفسه: 3).
ومن
الغريب حقاً
تجاهل مساهمات
الأكاديميين السودانيين من قبل رصفائهم المصريين،
فكان من المؤمل أن تكون هذه
المساهمات ، خاصة
تلك التي تدرس الأدب السوداني ،
محل ثقة
وتشكل مرجعية
الأمر الذي لا
يحدث عادة، ولندلل على
ما نقول لنأخذ مثلاً دراسة
عبدو بدوي
حول الشعر في السودان (بدوي:
1981) ،
فعلى
الرغم من
ظهور
هذه الدراسة بعد مساهمة عز الدين
الأمين التي تناولت تراث الشعر السوداني
بأكثر من عقد
من الزمان
الا أن
عبدو بدوي
يتجاهل تماماً مساهمة
الأمين ولا يشير
اليها
من قريب
أو بعيد!!
ونشير كذلك
الى دراسة سلمى الجيوسي
عن الشعر السوداني في إطار دراستها
عن الشعر العربي الحديث (الجيوسي:2001)
وقد أفاضت في
تناولها لتجربة التجاني يوسف بشير
،ولكنها هنا ترجع كثيراً لكتابات النقاد
المصريين
مثل إحسان عباس وعبد المجيد
عابدين والنويهي وجمال الدين الرمادي بينما
أخذت
عن ناقدين
سودانيين
هما محمد إبراهيم الشوش وأبو
القاسم محمد بدري، ولايمكن بالطبع
حين
الحديث عن التجاني تجاهل مساهمات ثرة مثل دراسة محمد عبد الحي
الرؤيا والكلمات
.
على كلٍ
لأدباء مصر
موقف
ثابت لا
يتزحزح تجاه
أدباء السودان، وهو
النظر اليهم - الا
في حالات
نادرة -
باستعلاء لا مبرر له ،
من هذه الحالات النادرة إعجاب طه حسين
بكتاب عبد الله
الطيب المرشد الى فهم أشعار العرب وصناعتها (الطيب: 1991
يقول طه حسين في مقدمته هذه " وأنا سعيد بتقديم
كتابه [ عبد الله الطيب] هذا
الى جانب الشعراء،
لأني إنما أقدم
اليهم طرفة أدبية نادرة حقاً ، لن ينقضي الإعجاب
بها ، والرضى عنها، لمجرد الفراغ
من قراءتها، ولكنها ستترك
في نفوس
الذين
سيقرأونها آثاراً
باقية ،
وستدفع
كثيراً من
الأدباء الى
الدرس والاستقصاء
والمراجعة والمخاصمة." (نفسه:8).
يختتم طه حسين كلمته
قائلاً " أما بعد،
فإنني
أهننئ
نفسي، وأهنئ
قراء العربية
بهذا
الكتاب
الرائع ، وأهنيئ أهل مصر والسودان بهذا الأديب
الفذ، الذي ننتظر منه الكثير."
(نفسه:10).
وكان لكلمة طه حسين هذه مفعول السحر لدى بعض الأدباء المصريين
ودفعتهم للإطلاع
على الكتاب
ومن
هؤلاء جمال الدين الرمادي
الذي
كتب مقالاً بعنوان "
كتاب
جديد
لباحث من الخرطوم "
(الرمادي: د. ت ).
ويستهل
الرمادي
كلمته
قائلاً : "
قرأت
منذ أيام
فصلاً ممتعاً
للدكتور طه
حسين في
إحدى الجرائد اليومية
الصباحية
الكبرى
عن كتاب جديد
ظهر في السوق يسمى المرشد
الى فهم أشعار
العرب
وصناعتها (..)
وقد
استهواني
هذه الفصل الممتع
الى الإطلاع على هذه الكتاب، إذ كان
الدكتور طه
حسين -
في فصله – يكبر كل الإكبار هذا الكتاب
ومؤلفه
فأحببت
أن
اطلع على هذا الأثر
النفيس الذي يستحق هذا الإكبار، وغني
عن
البيان أن
طه حسين رجل
دقيق في
أحكامه
دقيق في
كلامه."
(نفسه:
105).
ويمضي الرمادي في
استعراض
الكتاب وتقريظه ويخلص للقول
"
وليصدقني
مؤلف هذا
الكتاب الدكتور
عبد الله
الطيب
وليصدقني
قراء الدكتور
عبد الله
الطيب
إن كتاب
المرشد
هذا كتاب طيب الى
أبعد
الحدود،
جيد غاية
الجودة."
(نفسه:111)
لكن الأمر
يختلف بعض الشيء
في دراسة محمد مصطفى هدارة التي أعدها عن الشعر السوداني
(هدارة: 1972)
إذ نجده يرجع كثيراً
للكتابات
السودانية
التي
سبقت دراسته ويتوقف أمامها محللاً
وناقداً
، فنجده
بشير الى
دراسات العديد من
الكتاب السودانيين
مثل عز الدين
الأمين
وهنري رياض وأحمد
عبد الله
سامي.
المراجع
|
أمين (ال)
عز
الدين
1964 |
: |
مسائل
في النقد
القاهرة :
مكتبة وهبة
|
|
"
"
1964 |
: |
نظرية
الفن
المتجدد
وتطبيقها على الشعر
القاهرة : مطبعة وهبة
|
|
"
"
1965 |
: |
طلائع النقد
العربي
|
|
"
"
1969 |
: |
تراث الشعر السوداني
القاهرة :
معهد البحوث والدراسات العربية
|
|
"
"
1975 |
: |
قرية
كترانج وأثرها
العلمي في السودان
الخرطوم : دار الطباعة ، جامعة
الخرطوم
|
|
"
"
1999 |
: |
نقد الشعر السوداني
الخرطوم : دار جامعة الخرطوم
للنشر
|
|
"
"
2008 |
: |
الملامح
الفنية في نقد
العرب
الشارقة: دائرة الثقافة
والإعلام
|
|
بدوي ،
عبدو
1981 |
: |
الشعر
في السودان
سلسلة
عالم المعرفة
الكويت :
المجلس الوطني للثقافة
|
|
حسن (ال)،
تاج
السر
1992 |
: |
الإبتداعية في الشعر العربي
الحديث
بيروت :
دار
الجيل
|
|
هدارة ، محمد
مصطفى
1972 |
: |
تيارات الشعر
العربي المعاصر في السودان
بيروت : دار الثقافة
|
|
خانجي
(ال) ،
عبد
الرحمن ، |
: |
قراءة
جديدة في روايات
الطيب صالح
الخرطوم: دار جامعة
أمدرمان
الإسلامية
للطباعة والنشر
|
|
دوش (ال) ، صلاح
أحمد |
: |
تطور شعر
السيرة
والمديح النبوي في
الأندلس
عصر
غرناطة (638 – 897 هـ)
|
|
رمادي (ال) ،
جمال الدين |
: |
دراسات
في الأدب السوداني
القاهرة :
الدارالقومية للطباعة والنشر
|
|
شوش
(ال) ،
محمد إبراهيم |
: |
الشعر الحديث في السودان
الخرطوم : جامعة الخرطوم ، قسم
التاليف والنشر
ط/2
|
|
كنة ، عثمان
محمد صالح الحاج
2007 |
: |
الشاعر
محمد المهدي المجذوب: الصورة الفنية في شعره
الخرطوم : مركز
قاسم لخدمات
المكتبات
|
|
عابدين ، عبد المجيد
1951 |
: |
التجاني : شاعر الجمال
القاهرة : مطبعة
الشبكشي
|
|
عبد
الحي ، محمد
1985 |
: |
الرؤيا
والكلمات : قراءة في شعر التجاني يوسف بشير
بيروت :
دار إبن زيدون
الخرطوم :
دار الفكر
|
|
عجوبة ، مختار
2000 |
: |
القصة الحديثة في السودان
القاهرة :
مركز
الدراسات
السودانية
|
|
فاتح (ال) ، زينب
1985 |
: |
التجديد في الشعر السوداني المعاصر
الخرطوم :
دار الطباعة ، دار جامعة الخرطوم
للنشر
|
|
مبارك
، نزار
2009 |
: |
" دور النص
في التفاعل الأدبي "
ورقة
مقدمة
لورشة
( النص / التلقي/ المعنى )
جماعة الفيلم
السوداني
أم درمان – 15 – 17 أغسطس
|
|
"
"
2009 |
: |
" دور المتلقي في التفاعل الأدبي "
نفسه
|
|
"
"
2009 |
: |
" الكاتب / النص / المخرج
:
سامبين
عثمان
نموذجاً " |