|
2009-12-20 |
|
|
وهذا البلد المأزوم عابد عقيد |
|
لعله من نافلة القول أن نتساءل
سؤالاً بمساحة السودان . المليون ميل مربع . المثخن بجراحات الإنقلابات العسكرية
وخستكات القوة السياسية التي أضاعت أهم انجازات الشعب السوداني وإرثه النضالي
بممارساتها الشائهة للديمقراطيات التي تعاقبت علي تاريخ السياسة السودانية ..
لماذا يمتد عمر الانظمة الديكتاتورية في السودان
؟
عدد من علامات الإستفهام نضعها ونلح علي وضعها لأن الضحية هو المواطن السوداني الذي
لا حول له ولا قوة وهو يقدم دمه ونفسه مهراً لكي ينعم بنظام ديمقراطي حقيقي يحفظ
انسانيته علي الاقل . رغم مجئ الزعامات الكرتونية علي اكتاف البسطاء الذين تعودوا
منذ الصغر علي تقبيل الأيادي وشراب ماء الوضوء حصولاً لبركة زعماء زمنّا الاعجف ؛
الذين غاب عنهم الحس الوطني و تغلّبت في جماجمهم التي عشعش فيها مفهوم الخم
الجماهيري الأنا والذاتية ؛فلا وازع وطني ولا وازع انساني يثنيهم أن يقدموا مخاض
شعبنا ومورثاته النضالية في طبقٍ من ذهب لضعفاء النفوس من الطفيلية داخل المؤسسة
العسكرية نتيجة اخفاقاتهم القاتلة اثناء فترة حكمهم . والأدهي والأمر عندما
"يتهافتون" حبواً لإلتقاط فتات الموائد .
من المعروف
أن الديمقراطية الفعّالة تقوم علي ثلاثة اعمده . أولاً كفالة وحماية حقوق الانسان
الاساسية . ثانيا حكم القانون واخيراً الانتخابات الحرة النزيهة . وهي بالتالي نظام
تمثيل يعبّر عن تفويض المجموعة لسلطاتها و صلاحياتها لمن ينوب عنها لكن تظل
المجموعة رغم ذلك التفويض هي صاحبة السلطة العليا وهذه السلطة لا يمكن ممارستها
بطريقة سليمة إلاّ بوجود آليات و ضوابط تضمنها وإلاّ ضاعت وسط الفوضي . وبالفعل
عمّت الفوضي في الفترات الديمقراطية عندما تم تغييب الركائز الاساسية للديمقراطية ،
فعندما تفكر النخب السياسية في حدود المصلحة الحزبية الضيّقة دون مصلحة المواطن
الذي يدفع ثمن تلك النظرة فهو انتهاك لحقه ولإنسانيته ، وعندما يتم تعديل الدستور
لأجل زيد أو عبيد من الناس كي يتم تنصيبه أو يُطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان
نتيجة استكانة الزعماء لوساوس الأخوان المسلمين فهذا خرق لحكم القانون ، وعندما
يكون هناك استغلال للتبعية العمياء ويتم الانتخاب بالاشارة فهنا انعدمت النزاهة .
فلقد اعتادت الاحزاب السلطوية الخاوية
كالحزبين الكبيرين في السودان (الاتحادي
الديمقراطي والامة)،اللذان يعتمدان على الطائفية والقبلية، وهما مؤسستان صادم الفكر
المستنير في أوروبا شبيهاتهما صداما لا هوادة فيه، حتى استقام أمر الديمقراطية.
ولكنّ المؤسستين لهما دورهما في المجتمع السوداني، ولم تتهيأ الظروف بعد للقضاء
عليهما. ويقفان حجر عثرة في سبيل الممارسة الديمقراطية. وهذا تناقض أساسي ينهش في
كبد التجربة الديمقراطية . فقد شهد السودان مع بداية الديمقراطية تجارب لا علاقة
لها بالديمقراطية، وهي ما عرف بالتصويت بالإشارة حيث يختار الزعيم مرشحا في دائرة
لم يرها طوال حياته العملية، وما على الناخبين إلا التصويت له. فمن العسير ممارسة
الديمقراطية مع هيمنة الطائفية والقبلية .. فتلك الممارسات الشائهة التي لا علاقة
لها بالديمقراطية جعلت من الواقع السوداني واقع بائس يعيش فيه وطاة الجمر الذين
يمنون انفسهم بأن ينعموا كبقية الشعوب المتحضرة بأمثل نظام حكم توصلت اليه الحضارة
الانسانية . فتشاءم البعض ووصل التشاؤم مداه وهم يتسائلون في ريبة ان كان توجد
ديمقراطية حتي تكون هنالك ازمة .. فبئسوا حتي بلغ البؤس مداه بأن الديقراطية نظام
حكم لا يصلح لبلادنا .. ويئسوا حتي وصل اليأس مداه الهزلي وهم يرون زعماء الامس
أقزاماً امام هامش الحريات الذي تتكرم به الجبهة الاسلاموية كالدواء في اجساد
منظوماتهم المريضة ؛ ملعقة صباح واخري في المساء
بعد ان فرّطو في الديمقراطية الثالثة و اجهضوها بمماراساتهم المخجلة قبل ان
ينقض عليها التيار الديني الجارف . فمن البديهي أن تتضعضع الثقة بين المواطن والقوة
السياسية الاخري جراء تلك الممارسة التي قذفت بالبلاد الي المهالك وأصبح الكائن
السوداني يرزح تحت وطأة الثالوث القابض الجوع ، الجهل والمرض .
عموما
.... ربما يفشل الساسة ولكن هذا لا يعني الإقرار بفشل الديمقراطية في بلد ما . ورغم
كل ما حدث في السودان إبان الفترات الديمقراطية ؛ أن الانقلابات العسكرية ليست هي
البديل أو العلاج . فالديمقراطية تعالج بمزيد من الديمقراطية و الدراسة الواعية
الحكيمة لكل التجارب الفائتة .
لاسيما اذا تركت الاحزاب والقوى السياسية في السودان مصالحها وصراعاتها من اجل
الوصول الى السلطة ؛ مراعاةً لحق ذلك الشعب وعملت على تطويره وترقيته ليصل الى اعلى
مراكز التطور والتقدم في جميع المجالات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية .
وهنا نثبّت
إنَّ الديمقراطية عنوان الإختيار
الإنساني الحر والإرادة الإنسانية المسؤولة، وهي ثمرة الإعتراف بحقوق الإنسان
الأساسية، فهي لا تنتج ولا تتحقق إلاّ على أساس الإعتراف والإقرار والتفعيل
لإنسانية الإنسان الثابتة ولإنتمائه للوطن بالتراب ؛ من هنا كان إقرار وتمكين
الديمقراطية نتيجة موضوعية لإقرار وتمكين الحقوق الإنسانية والوطنية، واعترافاً
أصيلاً بحق النّاس في صناعة واقعهم وقدرهم ومصيرهم، وبخلافه لا يتحقق على أرض
الواقع سوى الإستبداد بالسلطة والإستعباد للبشر، باعتبار أنَّ الطبيعة الإنسانية
رافضة بذاتها للإستعباد المتأتي من الحجر على الإرادة والقائم على النفي
وباعتبار أنَّ استحقاق الإنتماء الوطني يرفض تهميش ومصادرة المشاركة في
صناعة الواقع السياسي الذي هو جهد وإبداع كافة المواطنين المنتمين إلى الوطن. من
هنا كانت الديمقراطية مؤمنة بالإنسان كقيمة ودور ورسالة .. ومن هنا أيضاً تكون
الديمقراطية من أهم ثوابت الدولة
وأيضاً تكون الديمقراطية من أهم إستحقاقات المواطنة
العملية المتمثلة بحق المساهمة في صناعة الواقع والمصير .