www.yarranile.com

2009-12-20

الخاتم عدلان فى مواجهة الفكر الماركسى

زين العابدين صالح عبدالرحمن

 

فى عام 1994 عندما اشتدت الازمة فى لجنة التنسيق العليا للتجمع الوطنى الديمقراطى أنشأنا"منتدى الحوار الديمقراطى" كمحاولة حوارية لتنشيط الحراك السياسى و فتح افاق متعددة لقوى المعارضة و بعد حوار مع عدد من القيادات السياسية و القيادات التى كانت تمثل احزابها فى لجنة التنسيق العليا وضعنا برنامجا للحوار يشمل كل القوى السياسية و على حسب مقترح السيد محمد الحسن عبدالله يس جعلنا المحاضرة الاولى تتناول الاصلاح داخل الحزبين الكبيرين" الاتحادى و الامة" على ان يتحدث عن الحزب الاتحادى محمد الحسن عبدالله يس و الدكتور احمد السيد حمد و من حزب الامة الدكتور التجانى السيسى و مهدى داؤود الخليفة و الدكتورة رشيدة ابراهيم و قبل المحاضرة ذهبنا الى الاستاذ الخاتم عدلان لكى ندعوه للمشاركة فى المداخلات ثم استشارته حول ندوة للحزب الشيوعى و كان قبل انعقاد الندوة الاولى التى اعلن عنها قد سمعنا الكثير من رزاز الحديث غير المفيد و الذى درجت بعض العناصر فى اطلاقه حول اية عمل يريد الناس فعله و لكن قناعتنا كانت ان نجحاح الندوة الاولى سوف يتقرر عليها نجاح الملتقى و استمراريته.

 

وافق الاستاذ الخاتم رحمة الله عليه على المشاركة فى المداخلة و طلب منا بعد الندوة الاولى يجب ان نلتقى به و بالفعل نجحت الندوة نجاحا كبيرا و قد شاركت فيها كل القوى السياسية و استمرت قضية الاصلاح فى الحزبين ثلاثة ندوات ثم عقبتها ندوة عن القوى الحديثة تحدث فيها الدكتور امين مكى مدنى و الدكتور فاروق احمد ابراهيم و هى الندوة التى تحدث فيها الاستاذ الخاتم عدلان باستفاضة حول تعريف القوى الحديثة و الفكر الذى يجب ان يحكم هذه القوى بعد التحولات التى حدثت فى العالم.

 

 فى اليوم التالى التقيت مع الاستاذ الخاتم عدلان فى الشقة التى كان يسكن فيها و هى فى ذات العمارة التى يسكن فيها الاستاذ التجانى الطيب مسؤول العمل الخارجى فى الحزب الشيوعى فى ذلك الوقت بمدينة نصر بالقاهرة و كان الخاتم فى ذلك الوقت قد قدم و ثيقة داخل الحزب الشيوعى تدعو الى حل الحزب الشيوعى او تحويله الى حزب ديمقراطى جديد يتبنى الفكر الديمقراطى بعيدا عن الماركسية و كان هناك توجيه غير معلن من قيادة الحزب بعدم اتصال كادر الحزب الشيوعى بالاستاذ الخاتم و كان ذلك ظاهرا عن احجام كادر الحزب عن زيارته او حتى الوقوف و التخاطب معه او حتى الجلوس بجواره فى الندوات و كان من المعروف اذا ذكر اسم الخاتم فى اية ندوة فى جامعة الخرطوم ياتى اليها الاخوة الرفاق من كل فج عميق و كان الخاتم يعلم  ان هناك مقاطعة له غير معلنة و قال لىً انا الاخوة الرفاق اذا تمت دعوتهم الى الندوة سوف لن يقبلوا بسهولة بسبب اشياء تخص التنظيم و بعض القضايا المطروحة داخله فى الوقت الحالى و لكن اخطروهم انهم فى برنامج الندوات ثم اشيعوا وسط الناس ان الخاتم سوف يتحدث فى ندوة الحزب الشيوعى.

 

 و فى اول ندوة اوضحنا ان الحزب الشيوعى ضمن جدول الندوات دون ان نذكر اسم المتحدث فيها و قد اتصل بى الدكتور حمودة فتح الرحمن و قال لىَ انتم اخذتم موافقة الحزب الشيوعى قلت له لا قال اعتقد من ناحية اجرائية ان الاعلان خطأ و يجب فى الندوة القادمة ان تعلنوا للناس انكم لم تخطروا الحزب الشيوعى و هذا الاعلان كان من بنات افكاركم الخاصة قلت له ان شاء الله و بعد حديث الدكتور حمودة بساعة اخطرت اول كادر قابلته من الحزب الشيوعى ان الاستاذ الخاتم عدلان سوف يكون المتحدث الرئيسى فى الندوة و عليه ان لايخطر احدا و قبل ان تمر ساعتين تلقيت محادثة تلفونية من الاستاذ محمد عبد الماجد و قال لى انتم وضعتم ندوة للحزب الشيوعى فى برنامج الندوات قلت نعم قال نحن موافقين و يجب ان يتم التنسيق مع الاستاذ التجانى الطيب.

 

استمر برنامج الندوات سنة ونصف بذات القوة التى بدا بها ثم حولنا الملتقى الى " المركز السودانى للثقافة و الاعلام" مع الاستمرار فى ذات الندوات بشكل متوازى مع البرامج الثقافية و الابداعية الاخرى و كان الخاتم عدلان قد ذهب للاقامة فى لندن حيث خرج مع مجموعة من الحزب الشيوعى و اسسوا " حق" و فى اول زيارة له للقاهرة اتصل بى الخاتم من الاسكندرية التى ذهب اليها مباشرة بعد و صوله الى القاهرة و قال لى انا سوف احضر للقاهرة غدا و يجب ان نلتقى و فى اللقاء طلب من الاستاذ الخاتم ان يرتب المركز مناظرة بين الخات و احد قيادات الحزب وفضل ان يكون الاستاذ الشفيع خضر و قد اتصلت بالاستاذ الشفيع لمعرفة رأيه فى ذلك و فى ذات المحادثة وافق على الفور الشفيع خضر.

 

 

و فى اليوم المحدد للمناظرة و جدنا حشد كبير جدا من الاخوة الرفاق فى الصالة و كان اول المتحدثين الدكتور الشفيع خضر و الكل كان آذان صاغية و لا تسمع همسا و لا ركزا و فى المركز كان قد تم اختيارى من قبل الاخوة لادارة الندوة و بعد ان تحدثت حول بعض المسائل الاجرائية اعطيت الفرصة للدكتور الشفيع الذى ركز حديث حول اربع قضايا اساسية الاول كان حول سقوط الاتحاد السوفيتى و انهيار حائط برلين و الثانى كان حول الحوار داخل الحزب الشيوعى و الثالث المرجعية داخل الحزب و الرابعة عملية التحديث فى القوى السياسية و مواجهة حكم الجبهة القومية الاسلامية.

 

قال الدكتور الشفيع خضر ان تفكك الاتحادالسوفيتى و انهيار حائط برلين يعد هزة عنيفة للقوة المناصر للمستضعفين فى العالم و اصبح فى العالم الان قطبا واحدا فقط اى ان الراسمالية هى التى تحاول ان تدير العالم من خلال  رؤيتهاالفكرية و هى قضية تجبرنا لاعادة تقيمنا للفكر الماركسى و مراجعة التجربة الاشتراكية ان كانت فى الاتحاد السوفيتى او فى الدول التى كانت تدور فى فلكه اما حول الحوار داخل الحزب قال ان الحزب قد فتح حوارا من القيادة الى القاعدة حول عدد من القضايا " الماركسية- التجديد و التحديث داخل الحزب- اسم الحزب – لائحة الحزب- مستقبل الفكر الاشتراكى– مواجهة النظام ....الخ" و قال كنت اعتقد ان للرفيق الخاتم صبرا يحتم عليه انتظار نتيجة الحوارات داخل الحزب و يلتزم بالنتيجة النهائية التى تصل اليها الاغلبية ولكن للاسف ان الرفيق الخاتم استعجل الخروج  و حول المرجعية فى الحزب قال الدكتور الشفيع ان الفلسفة الماركسية لم تعد هى المرجعية الاساسية فى الحزب بل اصبحت احدى المرجعيات و هناك مرجعيات عديدة حتى الليبرالية تعد احد مرجعياتنا و حول دكتاتورية البوليتاريا قال الدكتور الشفيع ان الحزب الشيوعى منذ تاسيسه و حتى تلك الفترة لم يشير من بعيد او قريب الى دكتاتورية البوليتاريا باعتبار ان السودان له خصوصية خاصة و الحزب رغم ان الماركسية كانت مرجعيته الا انه سكت عنها تماما مما يدل على ان الحزب مؤمن بالنضال الديمقراطية للطبقة العاملة من اجل نظام ديمقراطى و ليس تمكينا لدكتاتورية البوليتاريا اما عن قضية التحديث فى الحزب نحن الان نناضل من اجل تحديث و تجديد الحزب و اعادة النظر فى الوائح التى تحكمه بمايتلاءم مع التطورات التى حدثت فى المجتمع .

 

ثم تحدث الاستاذ الخاتم عدلان رغم ان الرفاق بداوا فى ممارسة المقاطعة من الوهلة الاولى دون الانصياع الى المنصة فى محاولة لاستفزاز المتحدث من ناحية و من ناحية اخرى احداث خللا فى ترتيب افكاره و لكن بعد حسم ذلك قال الاستاذ الخاتم ان سقوط حائط برلين لا يعنى سقوط حائط عادى لا يسمح بالتواصل بين ابناء وطن واحد انما هو سقوط للنظرية الماركسية و لكل ما يتصل بها من معتقدات و افكار و يجب علينا اننظر الى ذلك بعين ثاقبة و مراجعة حقيقة لمواقفنا من هذه النظرية لان القضية ليست مرتبطة بالعاطفة انما هى نظرة عقلية متجردة تحاول ان تنقد الفكر الماركسى قدا موضوعيا و قال اذا نظرنا فى الجانب الاخر نجد ان الراسمالية كنظرية فلسفية اقتصادية و اجتماعية تسمح بعملية نقد مستمرة من المنتسبين لها لذلك هى تتطور باستمرار و قادرة ان تجد حلولا لمشاكلها و ما اعطته للطبقة العاملة من حقوق ورفاهية و ضمانات اجتماعية لم تقدمه الماركسية فى البلاد التى حكمتها اذن القضية ليست بهذه البساطة انما رفض الماركسية يعنى تغيير فى كل مفردات حياتنا و تطلعاتنا اذا نحن نبحث عن الحرية والديمقراطية  باعتبار انهما قاعدتان يتاسس عليهما الاستقرار و السلام و حتى التنمية و الماركسية بشقيها التاريخ و الديالتيك ليست لها علاقة بالديمقراطية لان الفلسفتين من تربتين مختلفتين تماما لا رابط بينهماو ماعادت وسائل الانتاج هى مصدر الوعى الطبقى انما و وسائل الانتاج فى الفلسفة الراسمالية هى التى خلقت اوضاعا جديدة و حقوق جديدة و هى التى نتحدث عنها الان " حقوق الانسان- الحرية – الديمقراطية –حق الاعتقاد و التعبير وكل الاشياء التى نبحث عنها الان".

 وحول عدم انتظاره لانتائج الحوار داخل الحزب قال الاستاذ الخاتم  اننى لست غريبا عن الحزب الشيوعى و كل اعضاء الحزب المتواجدين هنا يعرفون كيف يدار الحزب و الحوار و اذا كنت اعرف ان هناك بارقة امل واحدة ما اتخذت هذا القرار لاننى اعرف اشواق العضوية للديمقراطية و الحرية و لكن هناك ارادات داخل الحزب فوق الجميع كما اصبحت هناك رؤيتان الاولى متخندقة فى اطروحاتها الفكرية منذ ان قامت الثورة البلشفية فى الاتحاد السوفيتى عام 1917 و اخرى منفتحة امام تيارات الفكر الجديد التى سمحت بتطور البشرية و الانفراجات التى حدثت فى قضايا حقوق الانسان و لا يمكن لتلك الرؤيتان ان تعيشا داخل اطار واحد نحن نريد مساحات اوسع لحرية الفكر و الابداع و الديمقراطية و هى لن نجدها داخل الحزب الشيوعى و دلالة على ذلك السلوك الذى حدث عندما بدات اتحدث و المقاطعات و تصرفات التهكم التى قام بها البعض كلها تنبى ان مساحات الديمقراطية و الراى الاخر عند هولاء تكاد تكون معدومة لان مثل هذه التصرفات ليست سلوكا فرديا انما هى و اجبات تنظيمية تؤدى و يثاب عليها الاعضاء و هى واحدة من الدوافع التى بموجبها فضلنا ان نكون خارج اسوار الحزب الشيوعى و نحاول ان نبحث عن تنظيم يستوعب قناعاتنا الجديدة.

 

اما قضية المرجعية التى تحدث عنها الدكتور الشفيع اعتقد تماما هو راى شخصى و اشواق له لان القيادات التاريخية و التى تحى ذكرى استالين سنويا هى لن تتخلى عن الماركسية او تحاول ان تجعل للحزب مرجعيات من ضمنها الماركسية و كما قلت ان الصراع كان بين رؤيتين و الدكتور الشفيع اذا تمسك بالرؤية التى قالها بان الحزب ما عاد يعتمد على الماركسية كمرجعية اساسية له انما هى واحدة من مرجعيات اخرى ان التمسك بها سوف يجعله ايضا خارج اسوار هذا الحزب و التكتيك فى قضايا الفكر لا وجود له مطلقا.

 و قال ان النظام الحاكم لا يصارع بمنطلقات نظرية بعيدة عن الديمقراطية و ان الاحزاب جميعها تحتاج الى مراجعات و تحديث لكى تتلاءم مع الاطروحات و الشعارات المرفوعة لكى نقنع الشعب السودانى بعدالة القضية التى نحارب من اجلها و كل ذلك غير متوفر الان كما ان البندقية وحدها غير كافية يجب ان يحدث تغيير فى مناهج الاحزاب و تجديد لاثوابها البالية المرتقة و التى لا تصلح الى شىء سوى خداع الشعب ان اية برنامج للتجديد او التحديث سوف يضر بمصالح للاخرين و هولاء اذا تضررت مصالحهم سوف يذهبون للبحث عن تحالفات جديدة تؤمن لهم مصالحهم لذلك ليس بعيدا ان يذهبوا للنظام نفسه و الالتفاف حوله تامينا لتلك المصالح فعملية التحديث و التجديد هى تحتاج الى رؤية جديدة و قرأة جديدة للواقع بفكر جديد لكى نخرج من المازق التاريخى و الحلقة التى يدور فيها النظام السياسى فى السودان.

 

و قال الاستاذ الخاتم نحن لسنا اوصيا على احد لان الديمقراطية ليست بها وصايا انما تنافس الاراء وتتجادل و تتحاور للوصول للافضل و الديمقراطية تقوم على الرؤى المختلفة و التباين فى التصورات و لكنها محكومة بقواعد تحترم فيها الاراء وخاصة الراى الاخر بينما فى احزابنا القائمة تشكل للراى الاخر محاكمات و اتهامات و مثل هولاء يريدون ديمقراطية دون الراى الاخر فكيف نحل هذه المعادلة.

 

و قال انا خرجت من الحزب الشيوعى لاننى لا لريد ان ارهن نفسى للوقف التاريخى او اعتكف فى صومعة لكى اردد مقولات تاريخية عفا عنها الزمن انا خرجت للهواء الطلق الذى يسمح لى بالتجديد الفكرى و المنهجى و ان اتعاطى مع كل ما هو جديد فى الفكر الانسانى و ارجو من كل واحد جالس معنا هنا و بعيدا عن العاطفة و التخندق الذاتى ان يراجع افكاره و تصوراته عن الحكم دون وصايا من احد او كتيبات مفروضة للتثقيف السياسى و الدراسة الفكرية.

 كانت هى محاضرة الاستاذ الخاتم عدلان فى ندوة المناظرة  و لكن للتاريخ و بعد ان عقد الحزب الشيوعى السودانى مؤتمره و اكد المؤتمر على ان الماركسية هى المرجعية الاساسية و الوحيدة للحزب الشيوعى عرفت لماذا الاستاذ الخاتم عدلان و الحاج وراق و خالد الكد و رفاقهم عجلوا بالخروج من الحزب و العمل الى تكوين حزب جديدة يعبر عن رؤاهم الجديدة.